مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الرفق بالإنسان قبل الرفق الحيوان

بقلم: يحيى القطب 

في السنوات الأخيرة انتشرت في مجتمعاتنا حملات واسعة للدفاع عن حقوق الحيوان، وهو أمر محمود في ذاته؛ فالرحمة بالحيوان خُلُق إنساني نبيل، وقد حضّ عليه الدين والحضارة معًا. لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الوعي المتزايد بحقوق الحيوان لا يقابله في أحيان كثيرة وعيٌ مماثل بحقوق الإنسان الأضعف، أولئك الذين يعيشون في الشوارع، أو يدفعهم الفقر والحرمان إلى مدّ أيديهم طلبًا للنجاة.
فإذا كان إطعام قطة جائعة يثير تعاطف كثيرين، فإن رؤية طفل صغير يفترش الرصيف أو يمد يده على استحياء لا تثير في بعض الأحيان سوى نظرة عابرة أو إحسانًا عابرًا لا يغير من واقعه شيئًا. وهنا يبرز سؤال أخلاقي مهم: كيف نوازن بين الرحمة بالحيوان والرحمة بالإنسان؟ وكيف نعيد ترتيب أولويات العمل الإنساني بحيث يبدأ بالإنسان أولًا؟
الحقيقة أن المجتمع لا يفتقر إلى التعاطف، لكنه يفتقر أحيانًا إلى التنظيم. وهنا يظهر الدور الحيوي للجمعيات الأهلية التي تستطيع تحويل العاطفة الفردية إلى عمل منظم قادر على إحداث تغيير حقيقي.
فالجمعيات الأهلية تمتلك القدرة على الوصول إلى الفئات الأضعف، سواء كانوا أطفال شوارع، أو أسرًا تدفع أبناءها إلى التسول، أو أفرادًا فقدوا مصادر رزقهم. ومن خلال برامج التعليم، والرعاية الصحية، والتأهيل المهني، يمكن لهذه المؤسسات أن تحوّل المتسول من ضحيةٍ دائمة إلى إنسان قادر على الوقوف من جديد.
لكن نجاح هذا الدور يتطلب أمرين أساسيين: المهنية والرقابة. فالمجتمع يحتاج إلى جمعيات تعمل بشفافية، وتستهدف معالجة جذور المشكلة لا الاكتفاء بتوزيع الصدقات.
ولا يقل دور المبادرات المجتمعية أهمية عن دور المؤسسات. فكثير من المبادرات الصغيرة التي بدأت بجهود شبابية تحولت إلى مشاريع مؤثرة في محيطها. مجموعة من المتطوعين قد تنجح في تعليم أطفال الشوارع القراءة، أو في تدريب شباب بلا عمل على حرفة تفتح لهم باب الرزق، أو في إنشاء مطابخ خيرية تقدم الطعام لمن يحتاجه دون أن تدفعه إلى التسول.
هذه المبادرات تعيد للمجتمع أحد أهم عناصر قوته: الشعور بالمسؤولية المشتركة. فالمشكلة ليست مشكلة الدولة وحدها، ولا الجمعيات وحدها، بل هي مسؤولية مجتمع كامل.
غير أن جوهر القضية يبقى في الدفاع عن حقوق الفئات الأضعف. فالطفل الذي يُدفع إلى التسول ليس متسولًا بطبيعته، بل ضحية بيئة قاسية أو استغلال إجرامي. والمرأة التي تقف في الإشارات ليست دائمًا مختارةً لهذا الطريق، بل كثيرًا ما تكون محاصرة بظروف اجتماعية أو اقتصادية لا ترحم.
إن الدفاع الحقيقي عن هذه الفئات لا يكون بالتعاطف وحده، بل بحمايتهم من الاستغلال، وبإعادة دمجهم في المجتمع عبر التعليم والعمل والرعاية.
والأمم التي تتقدم ليست تلك التي تتباهى بمشاعرها، بل تلك التي تحسن تنظيم هذه المشاعر وتحويلها إلى سياسات ومؤسسات ومبادرات فعّالة.
الرفق بالحيوان قيمة حضارية عظيمة، لكن الرفق بالإنسان أولى وأجدر.
فالإنسان حين يفقد كرامته لا يخسر فردًا واحدًا فقط، بل يخسر المجتمع جزءًا من إنسانيته.