كتبت: علياء زيدان.
الرسالة الثالثة من نفسٍ أهلكتها الدُنيا وشملتُها الذنوبُ، من بَني آدم عليه السلام ودَّ لو أن يعود لدربٍ حادَّ عنه منذُ زمنٍ ، همسَ له قلبُه بالإياب بعدَ إنتكاستِه فأنصت بقلبكَ هُنا علَّ السياق يُناديكَ فتعودَ معه ..
آيا البحرُ ها أنا بقلبٍ أهلكتُه المعاصي والذنوب بتُّ غارقًا فيها فتالله أريدُ أن يصبُّ الله الصلاة في قلبي صبًّا لا رجعة فيه، أغوتني الملذات يا بحر فباتت تسحبُ من أوصالِ أنفاسي حتى أوشكتُ على الإختناق، عَكرت الذنوبُ صفو قلبي فتُراه باءَ الرجوعَ عن فتنتِه، أرتاعُ إحتضان القبر لجسدي قبل توبتي فأهلكُ في السعير في يوم لا مَراد له كما أهلكتني الملذاتُ حيًا، الله إبتلاني ليختبر ما في القلب من إيمان وكأن لم يُجد فيه مثقال ذرة واحدة، أجرمتُ في حق نفسي وديني وفعلت كُل ما يَجول في خاطر المرء من معاصي وفعلتها مِرارًا وتكرارًا باكيًا بعد كل مرة فتراني تارة عزمتُ على الرجوع عن هذا وذاك وتارة آخرى عزمتُ على الإنغماسِ فيها بلا تردد ولو فِكرًا، تغرغرَ فكري بتدبير المعصية لا العمل الصالح يا بحر، يَبدو الأمر كما لو أنني أرغمتُ نَفسي على الوقوعِ في بئر الدُنيا ومعاصيها فصارَ إيماني فانيًا مع كليهما، كما لو أن إبليس بذاتِه باتَّ ليَّ مُعينًا بل وأتى بكُل حلفاءه لدسِّ شهوات الدُنيا وملذاتها في نفسي فأصبحَ الأمر مُستعصيًا للرجوع مرة أخرى، تلعثمَ قلبي فلا حيلة ليَّ فأينَ أجدُّ ذاك الضوء الذي سيُنيرُ عتمتي، كأن الشيطان إبتاعَ نفسي مني التي لا أملكُها فهي منكَ ولكَ ياربي إني أُريدُ أن تتوبَ نفسي لكَ مخافة أن يكونَ مصيرُها التهلُكة إن إتبعت أهوائها أكثر من هذا .
فيرفعُ رأسه للسماءِ ناظرًا لها بعينين مغرغرتين بالدموعِ قائلًا :-
ربي إني ظلمتُ نفسي ظُلمًا فاحشًا، أغوى الشيطان نفسي فنسيتُ ديني ولوحكَ المحفوظ، نظرتُ للملذات الباقية عدة ساعات ولم تدمْ ونسيتُ مهو خيرٌ وأبقى.
غرسوا قلبي فلا مخرج له إلا بِك إنها صُحبة السوء يا مثبت القلوب فأنقلبتُ على نفسي وجعلوا الشيطان مُرافقًا ليَّ بعد أن أضلوني عن الذكرِ ضلالًا جسيمًا فكان الشيطان ليَّ خذولًا.
فيميلُ برأسه لأسفل مُرتلًا لآيات الله بصوته العذب بقوله تعالى .
( يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً )
إنني فقيرُ الحيلة يا ربي فرُدني إليكَ ردًا جَميلًا، ذنبي كبير عصيتُ أبي وأمي وكأنني لم أحفظ كتابك الكريم عن ظهر قلب وخذلتُهما وكانا يزرعان فيَّ ثمرة حسنة من القرآن والذِكر فاللهُمَ أرحمهما كما ربياني صغيرًا، أُبدي لكَ مدامعي وقلة حيلتي وخيبتي فتقبل توبتي وأغفر ليَّ ذنبي.
بصوتٍ كُله خشوعٍ وندم وحسرة وخضوع لله تعالي مُجهشًا في بُكائه مُلفتًا من حوله بإبتهال النقشبندي “مولاي إني ببابكَ قد بسطتُ يدي .. من ليَّ ألوذ بِه إلاكَ ياسندي”.
اللهُمَ يسر ليَّ مسار توبتي وكُن معي فمن ليَّ سِواك.
أستقبلُني وتتقبل توبتي وتغفر ليَّ ما تقدم من ذنوب إن أحصيتُها لفاقت عدد الجبال والبحور والوديان كُلها، أتغفرُ ليَّ وتعفُّ عني وتُزيحَ أثقال الذنوب من على كتفي فأكون من عِبادك الذين غمرتَهمُ بعفوكَ؟
فيأتيه صوتٌ من بعيد بآية كريمة في قولِه تعالي :-
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).
فيرتاحُ لُبُه وكأن الله زرع في قلبِه السُكن والسكينة والطُمأنينة ويتقبلُ توبتَه فيكون عبدًا أوابًا صالحًا.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى