بقلم / خالد محمد شعبان
يميل الرجال دائماً إلى المرأة التي تُبين لهم حاجتها إليهم وتتعامل معهم على أنهم الحل لكل مشكلاتها؛ فلو كان الرجل متزوجاً ويرعى أسرة لا يجد فيها هذا الإحساس، تجده مستعداً للتضحية بكل شيء في سبيل تلك العلاقة الجديدة، وقد لا تكون المرأة ضعيفة أو مسكينة في واقع الأمر بل قد تكون مخادعة أو متلاعبة لكن اللعب على هذا “الوتر الحساس” لدى الرجال لا يخيب أبداً.
يعود هذا في الأصل إلى النشأة والتربية وتحديداً إلى علاقة الرجل بأمه؛ فالأم هي أول امرأة يتعرف عليها الرجل في حياته ويحبها، وتنشأ بينهما علاقة خاصة تُعدُّ الأساس الذي تُبنى عليه علاقاته بالنساء لاحقاً وهنا يجب أن نفرق بين “الأم المعززة” لرجولة ابنها و”الأم المثبطة” لها.
أولاً: الأم المعززة
هي التي تحاول إكساب ابنها مقومات الرجولة منذ نعومة أظافره من خلال الاعتماد عليه في مواجهة المواقف الصعبة وفق خبرته وسنه وقدراته، فلا تحمله فوق طاقته ولا تشعره بضعفه بل تمدحه وتثني عليه، ورغم قدرتها على حل المشكلات وحدها، إلا أنها تدرك أن ولدها يحتاج إلى ممارسة الحل بنفسه منذ الصغر، والأهم من ذلك أنه يحتاج إلى الشعور بثقتها فيه؛ فهذا هو معيار الحب في عين الرجل ومصدر ثقته في نفسه وإحساسه برجولته.
كمثال على ذلك الأم التي تطلب من ابنها فتح غطاء “برطمان” مغلق بإحكام؛ فإذا فتحه شكرته على مساعدته، وإن لم يستطع عابت جودة صناعة البرطمان لكي لا تجرح مشاعره.
وقد كان لي صديق قديماً يتباهى بطلب أمه منه رفع الأثاث الثقيل أثناء تنظيفها للمنزل، فكان يشعر بنشوة كبيرة حين يساعدها ونشوة أكبر حين تمدحه على ذلك، وإذا تعجبت من سلوك هذا الفتى مع أمه -في زمن لا يعبأ فيه معظم الشباب بمشاكل والديهم- فاعلم أن السبب يكمن في الصنف الثاني من الأمهات.
ثانياً: الأم المثبطة
هي التي لا تعبأ بمشاعر ابنها الرجولية وتصر على استخدام أساليب تحكمية لبسط سيطرتها على حياته، فلا تترك له منفذاً لحل مشكلاته بنفسه وعوضاً عن طلب مساعدته تتدخل هي في شؤونه بتسلط مما يفقده الثقة في قدراته، فينشأ غير مبالٍ بأزمات أهله ويشعر بأنه غير مرغوب فيه ولا يمكنهم الاعتماد عليه عند الكبر لأنهم سلبوه إحساسه بالرجولة في صغره.
التأثير الممتد في حياة الرجل
ما ينطبق على الأم ينطبق على الأخت والزوجة وأي أنثى في حياة الرجل فإذا كانت معظم النساء في حياته “مثبطات” ووجد واحدة “تعززه”، فإنه قد يضحي بكل شيء لأجل تلك “الغريبة” التي وجد لديها ما افتقده فيمن حوله.
ذلك لأن التعزيز لا يشترط فيه الصدق المطلق بل يكفي الإيحاء بالأهمية ليشعر الرجل بقيمته من خلال إشراكه في تفاصيل الحياة اليومية شيئاً فشيئاً اعتماداً على قدراته وإمكانياته؛ حتى تتكون لديه صورة عن نفسه بأنه “شخص لا يمكن الاستغناء عنه”، وسواء أكانت تلك الصورة حقيقية أم مزيفة فلا فرق في نفسية الرجل لأنه يحتاج بشدة إلى هذا الشعور.
التوازن في التعزيز
كأي شيء آخر يحتاج التعزيز إلى توازن فالمبالغة فيه تصنع من الرجل “طاووساً” يتفاخر بكل صغيرة وكبيرة والتقليل منه يفقد الرجل شغفه بالعلاقة، أما “الآفات” التي تفتك بهذا الإحساس دون هوادة فهي:
المقارنة بالآخرين.
المحاسبة على أصغر الأخطاء.
تصنع الضعف بشكل مبتذل.
وكما لا تحب النساء مشاركة أزواجهن مع أخريات لا يفضل الرجال مقارنتهم بغيرهم في “الرجولة”؛ لأن الطرفين يشعران حينها بأنهما محض “أحصنة رهان” في سباق بلا معنى.
غياب التعزيز والهروب النفسي
إن لم يجد الرجال من يعززهم فقدوا احترامهم لذواتهم ولجأوا إلى ما يعوض هذه الفجوة النفسية، مما قد يقودهم إلى أنواع مختلفة من الإدمان ولو تأملتم اعترافات المدمنين ستجدونها تتمحور حول الشعور “بالقوة والسيطرة” أثناء نوبة الإدمان، وغالباً ما يكون سر العودة للمادة الإدمانية هو شعوره بالخذلان أمام نفسه وأمام أسرته وأقرانه.
ورغم أن الرجال قد يشاركون في مسألة التعزيز إلا أن تأثيرهم لا يضاهي تأثير النساء؛ لأن علاقة الابن بأمه هي التي وضعت الأساس النفسي لهذا التأثير الأنثوي.
مشهد من الواقع
رأيت مرة وأنا أمشي في الشارع أماً ترجو صغيرها أن يذهبا إلى بيت خالته بدلاً من العودة للمنزل وكان الصغير رافضاً للفكرة، ورغم أنه لم يبلغ ركبتها طولاً إلا أنها استمرت في محاولة إقناعه، فسألت نفسي: “لماذا لا تحمله وتذهب به عنوة؟”، لكنني وجدت الجواب في أنها احترمت رغبته وعاملته كـ “رجل” ولم تشأ جرح إحساسه أو إشعاره بقلة حيلته، فآثرت تعزيز شعوره بالقوة ومحاورته بدلاً من إجباره مما يربي فيه القدرة على المحاورة واتخاذ القرار.
هذا هو سر “دلال” الولد على أمه فمحاولات إقناعها له تشعره برجولته وبحاجتها إليه، مما يدفعه للعناد أحياناً للاستزادة من هذا الإحساس وهذا عكس ما تقوم به أغلب الأمهات المثبطات مما قد ينتج أجيالاً لا تعرف كيف تقرر لنفسها شيئاً لأنهم نشأوا في بيوت مثبطة لا ترحم رجولتهم ولا نفسيتهم، لذا إنني أعتقد يقيناً أن أقوى شعور يجعل شاباً يتعلق بفتاة هو أن تشعره بأنه “يستحقها” وأنه “رجلها”.
الثقة معيار الرجولة
إن الثقة تُبنى بالتجربة والخطأ؛ والخبير يختلف عن المبتدئ بامتلاك تجارب مكنته من الأداء الأفضل والتحكم في الانفعالات، وهكذا الطفل فالتجارب التي يخوضها في كنف والديه تشكل خبرته الحياتية لأنه يستقي ثقته من تقييم أهله لنتائجه فرد فعلك تجاه ابنك هو “التقييم الأصلي” الذي يبني ثقته بنفسه بغض النظر عن النتيجة العملية للتجربة.
فالتعزيز يكون بطلب المساعدة في المهام اليومية دون فرض أو “عقدة ذنب”، أو بصحبة الطفل في المشاوير المهمة وجلوسه مع الكبار في الجلسات المؤثرة.. وهكذا تُصنع الرجولة.






المزيد
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب