مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الذين يراقبون من خلف الستار

كتبت خيرة عبدالكريم:

في الحياة، لا يؤلمنا العداء المعلن بقدر ما تربكنا تلك الوجوه التي تبتسم لنا بينما تترقب كل خطوة نخطوها. أشخاص يوحون باللامبالاة، وكأن وجودك أو غيابك سواء عندهم، لكنك تكتشف مع الوقت أنهم يعرفون أخبارك أكثر مما يعرفها المقربون منك. يراقبون بصمت، يتابعون من بعيد، ويحصون تفاصيل نجاحك وإخفاقك.

ليس كل من يضحك لك يتمنى لك الخير، فبعض الابتسامات أقنعة تخفي وراءها غيرة صامتة أو مقارنة مستمرة. إنهم لا يريدون سقوطك بالضرورة، لكنهم يرتاحون لرؤيتك أقل منهم، ويقلقهم أن تتجاوز الحدود التي رسموها لك في مخيلتهم. لذلك يفضلون أن تبقى في دائرة الضعف، لأن قوة الآخرين تفضح عجزهم عن التقدم.

غير أن الحكمة لا تكمن في مواجهة هؤلاء أو الانشغال بهم. فالمراقب يظل أسير ما يراقب، أما السائر في طريقه فيبقى منشغلاً ببناء نفسه. الذين يقضون أعمارهم في تتبع خطوات الناس ينسون أن يصنعوا لأنفسهم طريقاً خاصاً.

اتركهم وشأنهم. دعهم يراقبون إن أرادوا، ويتساءلون إن شاؤوا، ويتفحصون أخبارك كما يتفحص العابر ظلال المارة. فالشجرة المثمرة لا تتوقف عن الإثمار لأن العيون معلقة بثمارها، والنهر لا يغير مجراه لأن أحدهم يراقب تدفقه.

في النهاية، النجاح ليس أن تُثبت شيئاً للآخرين، بل أن تبلغ من السلام الداخلي درجة لا يعود فيها رأي الناس قادراً على تحديد قيمتك. وعندما تدرك ذلك، ستفهم أن أفضل رد على المراقبين ليس المواجهة، بل الاستمرار؛ فالحياة تكافئ الذين يمضون إلى الأمام، لا الذين يقفون عند النوافذ يراقبون المارين.