مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الذين تعلموا القوة بالطريقة الصعبة بقلم الكاتب هانى الميهى

الذين تعلموا القوة بالطريقة الصعبة

الكاتب هانى الميهى

الفصل الخامس

 

هناك أشخاص لا تستطيع أن تحدد متى تغيروا، ولا متى أصبحت القوة جزءًا من شخصياتهم. تراهم اليوم قادرين على التحمل، هادئين في أصعب المواقف، يواجهون الحياة وكأنهم خُلقوا بهذه الصلابة. لكن الحقيقة أن أحدًا لا يولد قويًا إلى هذا الحد، فالقوة التي تثير إعجاب الآخرين تكون في أحيان كثيرة نتيجة سنوات طويلة من الخسائر والخذلان والاعتماد على النفس.

 

بعض الناس تعلموا القوة لأن الحياة لم تمنحهم خيارًا آخر. كانوا يتمنون أن يجدوا من يحمل عنهم جزءًا من الطريق، لكنهم اكتشفوا مبكرًا أن عليهم أن يسيروا وحدهم. كانوا يحتاجون إلى من يطمئنهم، لكنهم أصبحوا هم مصدر الطمأنينة للآخرين. كانوا ينتظرون من يساندهم، ثم اعتادوا أن يكونوا السند حتى نسوا كيف يطلبون المساعدة.

 

والمؤلم أن الناس ترى النتيجة فقط. ترى الإنسان القوي الذي لا يهتز بسهولة، ولا ترى الطفل الذي بداخله والذي كان يخاف مثل الجميع. ترى الشخص الذي يبتسم رغم تعبه، لكنها لا ترى عدد المرات التي انهار فيها بعيدًا عن أعين الآخرين. القوة ليست دائمًا بطولة، وأحيانًا تكون مجرد وسيلة للنجاة، وسلاحًا اضطر الإنسان إلى حمله حتى لا يسقط.

 

ومع مرور الوقت، تصبح هذه القوة عبئًا جديدًا. لأن الناس تعتاد أن تراك قويًا، فلا تسألك إن كنت متعبًا. تعتاد أن تراك متماسكًا، فلا تتخيل أنك تحتاج إلى من يربت على قلبك. وهنا يشعر الإنسان بغربة غريبة؛ فهو محاط بالناس، لكنه يفتقد ذلك الشعور البسيط بأن هناك من يفهمه دون أن يشرح كثيرًا.

 

ومع ذلك، تبقى القوة الحقيقية ليست في أن تتحمل كل شيء وحدك، بل في أن تظل إنسانًا رغم كل ما مررت به. أن تحافظ على قلبك من القسوة، وعلى روحك من الانطفاء، وعلى قدرتك في أن تحلم من جديد. فالذين تعلموا القوة بالطريقة الصعبة لا يحتاجون إلى المزيد من الصلابة، بل يحتاجون إلى لحظة أمان يشعرون فيها أن الحياة لم تأخذ منهم كل شيء.

 

لأن النجاة لا تكون فقط في أن تبقى واقفًا… بل في أن يبقى داخلك شيء يستحق الحياة.