مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الذنب الذى لم يكن ذنبك بقلم الكاتب هانى الميهى 

الذنب الذى لم يكن ذنبك

بقلم الكاتب هانى الميهى 

 

مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟

الفصل العاشر

كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها

 

 

كان يجلس وحده بعد منتصف الليل.

 

لم يكن هناك ما يستدعى السهر.

 

البيت هادئ.

 

الهاتف إلى جواره.

 

والغد يحمل عملًا عاديًا، ومواعيد عادية، وحياة تبدو مستقرة.

 

لكنه لم يستطع النوم.

 

كان يتذكر موقفًا حدث قبل سنوات.

 

كلمة قالها.

 

قرارًا اتخذه.

 

شخصًا خسره.

 

وعلاقة انتهت بطريقة لم يفهمها حتى الآن.

 

ثم جاء السؤال الذى يعود إليه كلما هدأ كل شيء:

 

«هل كان يمكن أن أفعل شيئًا مختلفًا؟»

 

لم يجد إجابة.

 

فقط وجد نفسه يشعر بالذنب.

 

 


 

هناك ذنب نحمله لأننا أخطأنا فعلًا.

 

وهذا النوع، رغم ألمه، واضح.

 

تعترف.

 

تعتذر.

 

تصلح ما تستطيع إصلاحه.

 

وتتعلم.

 

لكن هناك نوعًا آخر أكثر قسوة.

 

ذنب لا تعرف متى أصبح جزءًا منك.

 

تشعر أنك مسؤول عن حزن الآخرين.

 

عن غضبهم.

 

عن فشلهم.

 

عن قراراتهم.

 

عن رحيلهم.

 

عن سعادتهم.

 

وكأنك وُلدت وفي يدك دفتر طويل كتب فيه الآخرون أخطاءهم…

 

ثم طلبوا منك أن تحمل الحساب.

 

 


 

قد يكون طفلًا نشأ فى بيت كثير المشاكل.

 

كان أبوه غاضبًا دائمًا.

 

وأمه صامتة.

 

والبيت مليئًا بالخلافات.

 

كبر الطفل وهو يظن أنه السبب.

 

كان يقول لنفسه:

 

«لو كنت أكثر طاعة، لما غضب أبى.»

 

«لو كنت أفضل، لما حدثت المشاكل.»

 

«لو لم أطلب كذا، لما تشاجروا.»

 

لم يكن يعرف أن الكبار يحملون مسؤولية قراراتهم.

 

كان طفلًا.

 

لكنه حمل ذنبًا لم يكن يخصه.

 

وكبر.

 

لكن الطفل لم يخرج من داخله.

 

 


 

وهناك من عاش حياته كلها يحاول أن يكون «جيدًا» حتى لا يتكرر شيء قديم.

 

لا يرفض.

 

لا يغضب.

 

لا يطالب.

 

لا يعترض.

 

يساعد الجميع.

 

يتنازل دائمًا.

 

يخاف أن يزعج أحدًا.

 

يخاف أن يخذل أحدًا.

 

فإذا قال «لا»، شعر بالذنب.

 

وإذا اختار نفسه، شعر بالأنانية.

 

وإذا ارتاح، شعر أنه مقصر.

 

لم يكن طيبًا فقط.

 

كان يحاول أن يدفع دينًا لم يكن عليه.

 

 


 

وهنا تصبح المسألة أخطر.

 

لأن الإنسان قد يبنى شخصيته كلها حول ذنب قديم.

 

يتزوج لأنه يريد تعويضًا.

 

يعمل أكثر لأنه يريد إثبات أنه يستحق.

 

ينفق على الآخرين لأنه يخاف أن يكون أنانيًا.

 

يتحمل الإهانة لأنه يظن أن الصبر يعنى الاحتمال بلا حدود.

 

وقد يفشل فى قول «لا» لأنه ما زال ذلك الطفل الذى يخاف أن يغضب منه أحد.

 

الماضي لا يعود كما هو.

 

لكنه يستطيع أن يعيش داخلنا بطريقة جديدة.

 

 


 

قد يقول لك شخص:

 

«أنا هكذا لأننى عشت ظروفًا صعبة.»

 

وقد يكون صادقًا.

 

لكن هناك فرقًا بين أن تفسر ماضيك…

 

وأن تجعله يحكم مستقبلك.

 

ما حدث لك يشرح بعض الأشياء.

 

لكنه لا يجب أن يكتب كل الأشياء القادمة.

 

أنت لست مسؤولًا عن كل ما حدث لك.

 

لكن هناك لحظة يصبح فيها من مسؤوليتك أن تقرر ماذا ستفعل بما حدث لك.

 

 


 

وهنا يدخل الإيمان بهدوء.

 

الله لا يحمّل نفسًا ما لا تطيق.

 

ولا يحاسبك على ذنب غيرك.

 

ولا يجعلك مسؤولًا عن اختيارات شخص آخر لمجرد أنك كنت قريبًا منه.

 

لكن الإنسان أحيانًا يفعل شيئًا غريبًا:

 

يحاسب نفسه على أشياء لم يحاسبه الله عليها.

 

يحمل نفسه ما لا يملك.

 

ويعيش سنوات يطلب المغفرة عن أخطاء ارتكبها الآخرون.

 

ثم يقول:

 

«أنا فقط أحاول أن أكون إنسانًا صالحًا.»

 

لكن الصلاح لا يعنى أن تتحول إلى ضحية دائمة.

 

 


 

هناك امرأة ظلت سنوات تلوم نفسها لأن زواجها فشل.

 

قالت:

 

«ربما لو كنت أكثر صبرًا.»

 

ثم:

 

«ربما لو سكت أكثر.»

 

ثم:

 

«ربما لو تحملت.»

 

حتى أصبحت ترى أن كل ما حدث كان دليلًا على تقصيرها.

 

لكنها لم تسأل سؤالًا بسيطًا:

 

هل كنت وحدى فى هذه العلاقة؟

 

العلاقة مسؤولية اثنين.

 

والقرار مسؤولية صاحبه.

 

والخطأ لا يصبح خطأك لمجرد أنك كنت حاضرًا عندما حدث.

 

 


 

وقد تكون المشكلة أننا تربينا على الخلط بين المسؤولية والذنب.

 

المسؤولية تقول:

 

«ماذا كان دورى؟»

 

أما الذنب غير الصحي فيقول:

 

«كل ما حدث سببه أنا.»

 

المسؤولية ناضجة.

 

تبحث عن الحقيقة.

 

تعترف بما فعلت.

 

وتصلح.

 

أما جلد الذات فلا يصلح شيئًا.

 

إنه فقط يعاقب الإنسان على الماضي مرة بعد مرة.

 

 


 

فى العمل أيضًا يحدث هذا.

 

مدير فشل مشروعه.

 

يقول:

 

«أنا السبب.»

 

لكن المشروع كان له فريق.

 

وسوق.

 

وظروف.

 

ومعلومات ناقصة.

 

وقرارات متعددة.

 

ربما أخطأ.

 

وهذا يحتاج إلى مراجعة.

 

لكن أن يحمل وحده كل النتيجة، ثم يقضي سنوات يخاف من اتخاذ قرار جديد…

 

فهنا يتحول الخطأ القديم إلى مدير جديد.

 

مدير لا يراه أحد.

 

لكنه يتحكم فى كل قرار.

 

 


 

وهذا أحد أخطر الأشياء التى تفعلها الذكريات.

 

لا تمنعك فقط من نسيان ما حدث.

 

قد تمنعك من تجربة ما لم يحدث بعد.

 

تتعرض للخيانة مرة.

 

فتشك فى الجميع.

 

تفشل فى مشروع.

 

فتخاف كل مشروع.

 

يتركك شخص.

 

فتعتقد أن كل علاقة ستنتهى.

 

تُرفض فى وظيفة.

 

فتقرر أنك غير كفء.

 

تُحرج أمام الناس.

 

فتخاف الكلام.

 

حدث شيء مرة…

 

فقرر عقلك أن يمنعه من الحدوث إلى الأبد.

 

لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.

 

المستقبل ليس نسخة إجبارية من الماضي.

 

 


 

وقد يكون أصعب ذنب هو الذنب الذى صنعه الآخرون داخلك.

 

شخص قال لك:

 

«أنت السبب.»

 

ثم صدقته.

 

شخص قال:

 

«أنت لا تستحق.»

 

ثم عشت كأنها حقيقة.

 

شخص جعلك تشعر أنك عبء.

 

فأصبحت تعتذر عن وجودك.

 

شخص خذلك.

 

فأقنعت نفسك أنك لم تكن جديرًا بالوفاء.

 

الكلمات قد تنتهى من أفواه أصحابها…

 

لكنها لا تنتهى دائمًا من داخلنا.

 

 


 

ولذلك ليس كل صوت فى رأسك يستحق أن تصدقه.

 

حين تسمع:

 

«أنت دائمًا تفشل.»

 

اسأل:

 

من قال ذلك أول مرة؟

 

وحين تسمع:

 

«أنت أنانى إذا اخترت نفسك.»

 

اسأل:

 

من علّمك ذلك؟

 

وحين تسمع:

 

«أنت مسؤول عن الجميع.»

 

اسأل:

 

هل هذا صحيح؟

 

وحين تسمع:

 

«كان يجب أن تنقذ كل شيء.»

 

اسأل:

 

هل كان كل شيء فى قدرتك أصلًا؟

 

هذه الأسئلة ليست تمردًا.

 

إنها مراجعة.

 

 


 

قد تحتاج أحيانًا إلى أن تعيد توزيع المسؤوليات فى ذاكرتك.

 

هذا كان خطئى.

 

وهذا كان خطأه.

 

هذا كان خارج قدرتى.

 

وهذا لم يكن دورى.

 

هذا تعلمت منه.

 

وهذا يجب أن أتركه.

 

أن تفعل ذلك لا يعنى أنك تهرب من المسؤولية.

 

بل يعنى أنك تضع كل شيء فى مكانه الصحيح.

 

 


 

والمسامحة هنا لا تعنى أن تقول:

 

«لم يحدث شيء.»

 

حدث.

 

والألم كان حقيقيًا.

 

والظلم كان حقيقيًا.

 

لكن المسامحة أحيانًا تعنى:

 

«لن أسمح لما حدث أن يظل يقرر من أكون.»

 

قد لا تنسى.

 

لكن يمكنك أن تتوقف عن إعادة المشهد كل ليلة.

 

قد لا تعود العلاقة.

 

لكن يمكنك أن تتوقف عن معاقبة نفسك بسبب نهايتها.

 

قد لا تستطيع تغيير الماضي.

 

لكن تستطيع أن تمنعه من سرقة المستقبل.

 

 


 

وهناك فرق بين الندم وجلد الذات.

 

الندم يقول:

 

«لقد أخطأت.»

 

ثم يبحث عن طريق للإصلاح.

 

أما جلد الذات فيقول:

 

«أنا الخطأ.»

 

وهذه جملة خطيرة.

 

لأنك عندما تحول الخطأ إلى هوية، يصبح التغيير أصعب.

 

أنت لست خطأك.

 

أنت إنسان أخطأ.

 

والفرق بين الجملتين قد ينقذ عمرًا كاملًا.

 

 


 

حتى فى علاقتك بالله، لا تجعل الخطأ بابًا لليأس.

 

فالإنسان يخطئ.

 

ويرجع.

 

ويتوب.

 

ويتعلم.

 

والرحمة ليست فكرة بعيدة.

 

لكن أحيانًا يكون الإنسان أقسى على نفسه من كل من حوله.

 

يطلب من نفسه ألا تخطئ.

 

وألا تتعب.

 

وألا تتردد.

 

وألا تسقط.

 

وهذا غير إنساني.

 

الله خلقك إنسانًا.

 

والإنسان يتعلم من ضعفه كما يتعلم من قوته.

 

 


 

ربما لهذا لا تحتاج اليوم إلى أن تسامح شخصًا آخر فقط.

 

قد تحتاج إلى أن تسامح نفسك.

 

ليس عن كل شيء.

 

بل عن الأشياء التى فعلت أقصى ما تستطيع فيها.

 

عن قرار اتخذته بالمعلومات التى كانت لديك وقتها.

 

عن علاقة لم تعرف كيف تنقذها.

 

عن فرصة لم تكن مستعدًا لها.

 

عن نسخة قديمة منك لم تكن تعرف ما تعرفه الآن.

 

أنت تحاكم نفسك القديمة بعقل الإنسان الذى أصبحت عليه.

 

وهذا غير عادل.

 

 


 

كان من السهل أن تقول:

 

«لو كنت أعرف…»

 

لكن المشكلة أنك لم تكن تعرف.

 

لو كنت تعرف النتيجة، لاخترت بشكل مختلف.

 

لكن الإنسان لا يعيش المستقبل قبل أن يصل إليه.

 

نحن نختار بما نعرفه اليوم.

 

ثم نتعلم من النتيجة.

 

هذه هى الحياة.

 

وليست كل نتيجة سيئة دليلًا على أن القرار كان غبيًا.

 

أحيانًا كان القرار منطقيًا بالمعلومات المتاحة وقتها…

 

ثم تغيرت الظروف.

 

 


 

لذلك عندما تنظر إلى ماضيك، لا تسأل فقط:

 

«لماذا فعلت هذا؟»

 

اسأل:

 

«ماذا كنت أعرف وقتها؟»

 

قد تكتشف أن الإنسان الذى تكرهه الآن كان يحاول النجاة بما يملك من فهم.

 

قد لا توافقه.

 

لكن ربما تستطيع أن تفهمه.

 

وهذا الفهم بداية رحمة.

 

 


 

وفى العمل، وفى الأسرة، وفى العلاقات، نحتاج إلى هذه الرحمة.

 

ليس معنى أن تكون مسؤولًا أن تحمل كل شيء.

 

وليس معنى أن تكون قويًا أن تصلح كل شيء.

 

وليس معنى أن تكون محبًا أن تنقذ الجميع.

 

هناك حدود لقدرتك.

 

والاعتراف بها ليس ضعفًا.

 

أحيانًا يكون أكثر أشكال النضج احترامًا للحقيقة.

 

 


 

قد تصل فى نهاية هذا الطريق إلى سؤال مؤلم:

 

منذ متى وأنا أعيش لأثبت أننى لست مذنبًا؟

 

ربما منذ الطفولة.

 

ربما منذ علاقة.

 

ربما منذ فشل.

 

ربما منذ كلمة قالها شخص كنت تصدقه.

 

وفجأة تكتشف أنك قضيت سنوات تحاول أن تثبت براءتك أمام محكمة لا وجود لها.

 

لا قاضى.

 

ولا قضية.

 

فقط صوت قديم داخل رأسك.

 

وحان وقت إسكات الصوت…

 

لا بالصراخ.

 

بل بالحقيقة.

 

 


 

الحقيقة أنك لست مسؤولًا عن كل شخص حزن.

 

ولست مسؤولًا عن كل شخص غضب.

 

ولست مسؤولًا عن كل علاقة انتهت.

 

ولست مسؤولًا عن كل فرصة ضاعت.

 

ولست مسؤولًا عن كل قرار اتخذه شخص بجوارك.

 

مسؤوليتك أن تعرف دورك.

 

أن تعترف به.

 

أن تصلح ما تستطيع.

 

ثم تترك ما ليس لك.

 

وهذه ليست قسوة.

 

هذه عدالة.

 

 


 

وفى النهاية…

 

ربما لا نحتاج دائمًا إلى أن نغفر للآخرين أولًا.

 

ربما نحتاج أن نعيد لأنفسنا حقًا بسيطًا:

 

ألا نحمل ما ليس لنا.

 

أن نضع حقيبة الماضي على الأرض.

 

نفتحها.

 

ننظر داخلها.

 

هذا خطئى.

 

هذا خطؤه.

 

هذا ظرف لم أستطع تغييره.

 

هذه خسارة لم أكن أملك منعها.

 

هذا درس.

 

وهذا ألم انتهى وقته.

 

ثم نغلق الحقيبة.

 

ليس لأن الماضي لم يحدث.

 

بل لأن الحياة أمامنا ما زالت تحدث.

 

ولا يمكن أن نمشى إلى المستقبل ونحن نحمل على ظهورنا كل شيء.

 

بعض الأشياء يجب أن تبقى خلفنا.

 

ليس لأنها لا تعنى لنا شيئًا…

 

بل لأنها أخذت منا ما يكفى.

 

وأحيانًا تكون أقوى جملة يستطيع الإنسان أن يقولها لنفسه:

 

«سأتحمل مسؤولية ما فعلت… لكننى لن أعاقب نفسى على ما لم يكن ذنبى.»

 

رسالة الفصل

 

النضج ليس أن تحمل كل شيء، بل أن تعرف ما الذى يخصك وما الذى لا يخصك؛ فبعض الأوزار التى أتعبتك سنوات لم تكن لك منذ البداية.

 

تمهيد الفصل الحادى عشر

 

وحين يتوقف الإنسان عن حمل ذنب الآخرين، قد يكتشف أنه حمل شيئًا آخر باسم الفضيلة:

 

الصبر.

 

صبر على ما يؤذيه.

 

صبر على ما يستنزفه.

 

صبر على علاقة انتهت من الداخل.

 

صبر على ظلم يتكرر.

 

صبر على حلم يؤجله.

 

وكان كلما اقترب من لحظة المواجهة، قال لنفسه:

 

«اصبر.»

 

لكن السؤال الذى سيطرق بابه هذه المرة أكثر إزعاجًا:

 

متى يكون الصبر عبادة… ومتى يصبح هروبًا من القرار؟

 

ومن هنا يبدأ الفصل الحادى عشر:

 

حين يصبح الصبر هروبًا