حدثت أمي ذات ليلة حرب مدوية، حمي فيها وطيس القتال، وبدأت قذائف المدافع ورصاص البنادق تتسابق في السماء. لمعت عيناي قلقًا، وقلبي تتسارع دقاته، وأردد بداخلي دعاء كررته كثيرًا: “اللهم احفظ أهلي، اللهم غطهم برحمتك وأخرجهم سالمين”.
تبادلت النظرات بيني وإخوتي، رأيت عيونهن يتقطر منها القلق والارتياب، وذلك الذعر الظاهر على وجوههن رغم محاولاتهن اليائسة لإخفائه، زاد من خوفي وقلقي أيضًا. لم يكن ببالي شيء سوى كيف يمكنني حمايتهم جميعًا، فقلت: “لنخرج من أم درمان، لنذهب إلى الشمالية”.
فرد أبي غير مبالٍ: “لن يموت أحد ناقص عمر، وإن متنا لنموت في منزلنا ونحن نحمي ممتلكاتنا، ولن يصيبنا شيء إلا ما كتبه الله لنا”. كانت كلمات أبي رغم صعوبة تقبلها بالنسبة لي إلا أنها مقنعة نوعًا ما، ولكنها لم تكن كافية لإسكات قلقي.
ثم قالت إحدى أخواتي التي تحاول جاهدة الصمود أمام خوفها وبصوت مرتجف: “أين سنكسن، لا نملك بيتًا، ولا نملك مالًا كافيًا للاستئجار، إن خرجنا سنهرب من الموت هنا ولكننا سنموت في العراء لا محالة، هناك دون ديار”.
فقالت أخرى: “الخروج دون خطة واضحة، ليست سوى طريقة مغايرة لنلاقي حتفنا”. في تلك اللحظة أدركت أن في كل الأحوال مصيرنا الشقاء. ولكن الوحيدة التي كانت تستمع إلينا دون أن تقول شيئًا هي أمي، وحينما تحدثت، نطقت جملة واحدة فقط، كانت كالدواء في أوج المرض، قالت: “الجيش قادم لا محالة”.
كانت الثقة والثبات في صوتها سببًا كافيًا لوضع شريط لاصق يُسكت صوت القلق داخلي. ومنذ ذلك الحين، كلما حاول أحد من إخوتي الإلحاح عليها، تقول “الجيش قادم”.
وبعد مرور أيام لتلك الليلة، وقتها قد هدأت أصوات المدافع، قالت لي أمي: “عليك الخروج، يجب أن تخرج لتجد عملًا في المناطق الآمنة”. أومأت برأسي غير مقتنع تمامًا وقلت: “كيف أذهب وأترككم وحدكم، لا أستطيع ذلك”.
فقالت: “إن بقيت معنا حتى وإن لم تقتلنا البنادق، سنموت جوعًا، على أحدهم المحاولة، ولا تقلق ‘الجيش قادم’، وأخوك الأصغر موجود، لا أريد أن يجعلهم يأس الجوع اللجوء إلى التجارة في المسروقات، خذ شهادتك، ستقبلك شركة ما، أنت أملنا الوحيد”.
هززت رأسي إيجابًا، والدموع تغرق وجنتي، تحاول أمي جاهدة الثبات لتمدني بالقوة، ولكنني كنت أشعر بها، أشعر بتلك القطرات الساكنة التي تخبئها خلف ابتسامتها المطمئنة، لتجعل قلبي يخفق بالرضا والراحة النفسية.
مر قرابة العام والنصف منذ أن خرجت وحدي لتدبر طريقة توفير لقمة العيش لهم، خرجت بجسدي وتركت قلبي هناك، أصارع كوابيسي وأتذوق مرارة الوحدة بعيدًا عنهم، إلى أن تحققت نبوءتها والجيش جاء بالفعل رغم طول الانتظار. اليوم أُنصفت أمي، وصدقت نبوءتها واستجيبت الدعوات، فحمدًا وشكرًا لله.
في اليوم التالي من التحرير، هاتفنها، وبعد أن طمأنتني عليها وإخوتي، فقالت والفرحة في صوتها يلامس وجداني المشتاق: “لقد قلت لك ‘الجيش قادم'”.






جميل