مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الأعراض النفسي الجسدية – الكاتبة إسلام محمد

(الأعراض النفسي جسدية)
بقلم الدكتورة/ إسلام محمد
استشاريه الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتاب البحث عن الذات

يعيش الإنسان في هذه الحياة في توازن دقيق بين جسده وروحه، بين عقله ومشاعره. وحين يختل هذا التوازن، تبدأ النفس في إرسال رسائل استغاثة قد لا تكون على شكل أفكار أو مشاعر واضحة، بل تظهر في صورة آلام جسدية وحالات مرضية متكررة. وهنا يظهر ما يُعرف بـ الأعراض النفسي جسدية، وهي تلك العلامات الجسدية التي تكون في حقيقتها انعكاساً لاضطرابات أو ضغوط نفسية.

إن الأعراض النفسي جسدية قد تتخذ صوراً متعددة، مثل الصداع المزمن الذي لا يهدأ بالأدوية المعتادة، أو آلام المعدة المستمرة التي لا يثبت الفحص الطبي سبباً عضوياً لها، أو حتى الشعور بالتعب والإرهاق المستمر رغم الراحة الكافية. وقد يتجلى الأمر أيضاً في خفقان القلب، ضيق التنفس، آلام المفاصل، واضطرابات الجهاز الهضمي. كل هذه المظاهر الجسدية ما هي إلا انعكاسات لمعاناة داخلية يعيشها الإنسان، سواء كانت قلقاً، توتراً، اكتئاباً، أو ضغوطاً متراكمة.

تكمن خطورة هذه الأعراض في أنّ المصاب يظن غالباً أنّه مريض عضوياً، فيسعى وراء التحاليل والفحوصات الطبية المتكررة، وينتقل بين الأطباء بحثاً عن علاج، دون أن يدرك أنّ أصل المشكلة قد يكون في داخله لا في جسده. وهنا يزداد شعوره بالارتباك، لأن النتائج الطبية تأتي سليمة بينما الألم يزداد، فيدخل في دائرة من الحيرة والإنهاك النفسي.

من جهة أخرى، فإن الجسد لا ينفصل عن النفس، بل هما كيان واحد يتأثر كل منهما بالآخر. فالمشاعر المكبوتة والضغوط غير المُعبر عنها تتحول مع الوقت إلى إشارات يطلقها الجسد على هيئة ألم، وكأن الجسد يتحدث بلسان النفس ليقول: “هناك ما يؤلمك داخلياً”. ولعل هذه الحقيقة تفسر كيف أنّ بعض الأمراض الجسدية تتحسن بمجرد أن يتلقى المريض دعماً نفسياً، أو يجد من يستمع إليه ويتفهم معاناته.

ولا بد من الإشارة إلى أن التعامل مع الأعراض النفسي جسدية يتطلب وعياً مزدوجاً؛ فلا يكفي أن نطمئن لسلامة الجسد عبر الفحوص الطبية، بل يجب أن ننتبه إلى الجانب النفسي ونبحث عن جذور القلق أو الضغوط التي تقف خلف تلك الأعراض. وهنا تبرز أهمية العلاج النفسي بجانب الرعاية الطبية، حيث يساعد المريض على التعبير عن مشاعره المكبوتة، والتخفيف من التوتر، وتعلم طرق صحية للتكيف مع ضغوط الحياة.

في النهاية، يمكن القول إن الأعراض النفسي جسدية رسالة خفية من النفس إلى الجسد، تنبهنا إلى ضرورة العناية بصحتنا النفسية كما نعتني بأجسادنا. فالنفس المطمئنة هي أساس الجسد السليم، والجسد الواهن قد يكون في أحيان كثيرة مرآة لألم داخلي لم يجد من يفهمه أو يحتويه.