اضطراب الشخصية الحدّية بقلم إسلام محمد
اضطراب الشخصية الحدّية أو ما يُعرف أحيانًا بــ (Borderline Personality Disorder) هو واحد من أصعب الاضطرابات النفسية وأكثرها تأثيرًا على حياة الفرد وعلاقاته بالآخرين. يتميز هذا الاضطراب بعدم الاستقرار العاطفي، تقلبات حادة في المزاج، صورة مشوشة عن الذات، وصعوبات كبيرة في التحكم بالعواطف والتصرفات. الشخص الذي يعاني من هذا الاضطراب يعيش حالة من التوتر المستمر، كأنه يقف على حافة هاوية، لا يعرف في أي لحظة قد ينفجر غضبه أو تغلبه مشاعر الحزن واليأس.
أحد أبرز ملامح اضطراب الشخصية الحدّية هو الخوف الشديد من الهجر أو التخلي. المريض قد يتشبث بالآخرين بشكل مبالغ فيه، وفي الوقت نفسه قد يغضب منهم بشدة إذا شعر بأنهم قد يبتعدون عنه ولو قليلًا. هذا التناقض يجعل علاقاته غير مستقرة، مليئة بالمشاكل والتقلبات الحادة، ما بين التقديس المفرط للشخص المقابل ثم الانتقاص منه أو كرهه في وقت قصير.
أيضًا من سمات هذا الاضطراب الاندفاعية، حيث قد يلجأ المريض إلى سلوكيات خطرة دون تفكير كالإفراط في الإنفاق، تعاطي المخدرات أو الكحول، قيادة متهورة، أو حتى إيذاء النفس. وفي كثير من الحالات يُرافق ذلك محاولات انتحارية أو تهديدات متكررة بها، وهو ما يجعل التعامل مع هذا الاضطراب أمرًا في غاية الحساسية والخطورة.
من الناحية النفسية، يعيش المصاب صراعًا داخليًا مع صورة ذاته؛ فهو لا يعرف من هو بالضبط، يتنقل بين هويات متناقضة، ويعاني من فراغ داخلي عميق. هذا الفراغ قد يدفعه للبحث المستمر عن شيء يملأ حياته، لكنه غالبًا ما ينتهي بمزيد من الإحباط والشعور بالخذلان.
ورغم صعوبة الاضطراب، إلا أن الأمل موجود. فالعلاج النفسي، خاصة العلاج السلوكي الجدلي (DBT)، أثبت فاعليته الكبيرة في مساعدة المصابين على التحكم بانفعالاتهم، تحسين علاقاتهم، وبناء صورة أكثر استقرارًا عن أنفسهم. كذلك العلاج الدوائي قد يُستخدم لمعالجة بعض الأعراض المصاحبة مثل القلق والاكتئاب.
في النهاية، اضطراب الشخصية الحدّية ليس حكمًا بالإعدام على صاحبه، بل هو تحدٍ يحتاج إلى فهم ودعم من المحيطين، وصبر والتزام من المريض بالعلاج. إدراكنا كأفراد ومجتمع بأبعاد هذا الاضطراب يفتح بابًا للتعاطف بدلًا من الوصم، وللمساندة بدلًا من الاتهام. فالمصاب بهذا الاضطراب ليس ضعيفًا أو “غريب الأطوار”، بل هو إنسان يواجه معركة يومية داخلية مع مشاعره وأفكاره، وكل ما يحتاجه هو يد ممدودة بالحب والدعم.






المزيد
بين مد وجزر بقلم شهد طلعت
شفقٌ بلا ثقافة بقلم مريم الرفاعي
هل سينجو الكتاب من تحديات العصر بقلم سها مراد