مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

اختلاف وجهات حول كون الإنسان أخلاقي بالفطرة أم اكتسبها من المجتمع

Img 20250512 Wa0059

 

كتبت آلاء محمود عبد الفتاح 

 

الإنسان كائن أخلاقي، وولد له عقل يتميز به عن بقية الكائنات، وهذه طبيعة في الإنسان بأن يكون ذات خلق يحتذى به، إذ لا يمكن أن تقوم للمجتمع قائمة، من غير القيم الأخلاقية، ومن غير الفضائل التي تضمن له التماسك والوحدة والقوة والانسجام، وقد عبر شوقي خير تعبير عن هذا التصور السوسيولوجي للعلاقة بين الحضارة والأخلاق بقوله:

 

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت…… …….. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

 

 وهنا يأتي السؤال، هل الإنسان كائن أخلاقي بالفطرة أم اكتسبها من المجتمع؟ ويوجد وجهتين نظر متناقضين من خلال ذلك المقال؛ بأن الإنسان كائن بالفطرة أم مكتسب من المجتمع؟

 

 الرأي الأول/ رأي الفلاسفة الدينيين وبعض علماء النفس، التي يوضح بأن الإنسان أخلاقي بالفطرة، حيث أن الحس الأخلاقي موجود فطريًا لدى الإنسان، بغض النظر عن عمره فإنه يمتلك الرضع والأطفال الصغار أخلاقًا طبيعية تُمكّنهم من التمييز بين التعريفات البسيطة للصواب والخطأ، ويميز التهانوي في كشاف اصطلاحات العلوم والفنون بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة “خُلُق” فيقول: ”الخلق في اللغة، العادة والطبيعة والدين والمروءة، والجمع الأخلاق، وفي عرف العلماء: ملكة تصدر بها عن النفس الأفعال بسهولة من غير تقدم فكر وروية وتكلف” 

ونجد هذا التأكيد على السجية الخلقية والعفوية لدى الجرجاني الذي يقرر بأن ”الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة، ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة مصدرًا للأفعال الجميلة سميت خلقًا حسنًا، وإن صدرت عنها الأفعال القبيحة سميت خلقًا سيئًا، وتتضح تلقائية وعفوية الفعل الأخلاقي في منظور فخر الدين الرازي الذي يعرّف الخُلُق بقوله ”الخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة”، ويسير الغزالي على المنهج ذاته في تعريفه للأخلاق، حيث يعرف الخلق بقوله «الخلق عبارةٌ عن هيئةٍ في النَّفس راسخةٌ، عنها تصدر الأفعال بسهولةٍ ويسرٍ من غير حاجةٍ إلى فكرٍ ورويَّة… وإنَّما اشترطنا أن تصدر الأفعال بسهولة من غير رويَّة؛ لأنَّ من تكلَّف بذل المال أو السُّكوت عند الغضب بجهد ورويَّة لا يقال خُلُقُهُ السَّخاء والحلم، ووضح بأن معنى الأخلاق يتحدد بمعيارين، يتمثل المعيار الأول في مبدأ الرسوخ والثبات والدوام والطبع، في حين يتمثل الثاني في مبدأ التلقائية حيث يجري السلوك من غير تكلف وانفعال وافتعال، وهذا يعني أن الأخلاق تمثل منبع السلوك التلقائي بما يصدر عنه من أفعال الخير والشر، وقد أجاد الشاعر العربي في وصف هذا الطابع النزوعي للأخلاق بقوله:

 

وما هذه الأخلاق إلا غرائـز…… فمنهن محمود ومنهن مذموم.

 

 ولن يستطيع الدهر تغيير خلقه…… بنصح ولا يستطيعه متكرم.

 

ونأتي إلى الرأي التاني وهو رأي روسو وفرويد وبعض المدارس؛ بأن الإنسان كائن أخلاقي مكتسب من المجتمع، فبالنسبة لروسو أذن للفعل الأخلاقي الحقيقي جانب موضوعي وآخر ذاتي، لا يكفي أن يكون السلوك الصحيح مُمارسًا – وهو أثر قد يكون ناجمًا عن الغريزة في صورة الشفقة وحدها – بل يجب أن يُمارس الفعل؛ لكي يُعتبر أخلاقيًا، بناءً على العقل السليم، ويعتقد روسو أن القوة العقلية التي هي مصدر الدافع الأخلاقي الحقيقي، وهذا الدافع هو الضمير الذي يدفعنا إلى حب العدالة والأخلاق، والرغبة في العمل على تعزيزهما، وهو بذلك يخالف ما جاء به الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، الذي اعتبر الدافع الأخلاقي هو المتعة والألم، أي السعي وراء المتعة واللذة واجتناب الألم والمعاناة وما يجر إليها، تُظهِر نظرية “روسو” الأخلاقية الجوهرية – نظريته في محتوى الأخلاق – نوعًا مميزًا من التعددية، إنها تعددية حول ما يجعل الأفعال الصحيحة صحيحة : رؤية لبنية الأخلاق تُشير إلى وجود أكثر من مُنشئ أساسي للحق، وهذا جذاب من جوانب متعددة.

 

الأخلاق عند فرويد والأنا الأعلى: اقترح سيجموند فرويد أن التطور الأخلاقي يحدث كقدرة الشخص على وضع احتياجاته الأنانية جانبًا (الهوية) ليحل محلها قيم العوامل الاجتماعية المهمة، مثل والدي الشخص ومعلميه والمؤسسات (الأنا الأعلى.

 

ما زلنا نتابع التغيرات التي طرأت على الموقف الغربي من الأخلاق في عصر التنوير، بتياريه العقلاني والعلمي، ولا يستقيم المرور على عصر التنوير بدون الوقوف عند الفيلسوف السويسري الفرنسي “جان جاك روسو” صاحب كتاب “العقد الاجتماعي”، وأثره الكبير في الفكر السياسي والاجتماعي والديني والأخلاقي والتعليمي، فضلا عن تأثيره على الثورة الفرنسية في النصف الثاني من القرن الـ18، وعلى العديد من علماء وفلاسفة عصره والعصور اللاحقة، وقدّم روسو مفهوما جديدًا للدافع الأخلاقي، وعرض للمرة الأولى عقيدته حول التعددية الدينية، ويعد كتابه “العقد الاجتماعي” حجر الزاوية في الفكر السياسي والاجتماعي على مستوى أوروبا والولايات المتحدة، وكان روسو أشهر الفلاسفة بين أعضاء نادي “اليعاقبة” السياسي المعارض للملكية، والأكثر نفوذًا إبان الثورة الفرنسية، سرعان ما جعل روسو يحظى بتقدير كبير بعد نجاح الثورة، واعتباره بطلًا قوميًا.

 

فمن خلال وجهة نظري، فأرى بأن الإنسان يولد ذات أخلاق حميدة، سليم العقل، وطاهر النفس، بداخله خير يعم المكان، ولكن سرعان ما تتغير أخلاقه على حسب البيئة التي يعيش بداخلها، إن كانت سليمة فأصبح على ما يرام، وإن كانت سيئة فيكتسب منها كل شيءٍ سيء، وسيصبح بخلق ذميمة، ونفس شريرة.