بقلم / يوسف العفيفي
وللإجابة على هذا السؤال، دعونا نعود قليلًا إلى فترتي الثمانينات والتسعينات، لنُلقي نظرة على جيل تلك الحقبة الزمنية.
فجيل الثمانينات لم تكن التكنولوجيا متوفرة لديه كما هي الآن، وكانت اهتماماته تنحصر في المذاكرة، والقراءة، وممارسة هواياته المفضلة.
وعلى صعيد علاقاته وتعاملاته مع الآخرين، فقد تربّى على الأصول؛ من احترام الكبير، وآداب الطريق، والنخوة في التعامل مع الناس.
وبالطبع، لم يكن المجتمع مثاليًا بالكامل، فكان هناك بعض الخارجين عن القيم، لكن المجتمع آنذاك كان يبغضهم ويرفض سلوكهم.
أما بالنسبة للميديا في ذلك الوقت، فقد انحصرت في قنوات التلفزيون الأرضية، التي كانت تبدأ بثّها في موعد محدد صباحًا، وتنتهي في موعد محدد مساءً، إلى جانب السينمات وانتشار الفيديو المنزلي.
وهنا كان ذلك الجيل يتمتع بموروثات طيبة، وقيم واضحة، وحدود معروفة.
بداية جيل التسعينات…
مع مطلع التسعينات، بدأ التطور التكنولوجي يسير بوتيرة أسرع، وظهرت القنوات الفضائية التي تعمل على مدار الساعة، مما أحدث ثورة في صناعة الميديا على مستوى العالم، ومصر والدول العربية على وجه الخصوص.
بدأت تتشكل أفكار جديدة، مع الاحتفاظ نسبيًا بتقاليد المجتمع المصري، وظهر الإنترنت المنزلي والهواتف المحمولة، لتحدث ثورة حقيقية في عالم الاتصالات.
إلى هنا، كانت الأمور لا تزال تحت السيطرة.
لكن مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي، وأفلام البلطجة، وأنواع جديدة من الأغاني، بدأ الجيل الجديد يُدفع في اتجاه تعزيز فكرة البلطجة، وأن يفعل كل شخص ما يحلو له، ويظهر للناس ليقول ما يجول في عقله من تفاهات، فقط لمسايرة المصطلح الجديد: الترند.
أصبح الترند هو المتحكم في القيم، والمسيطر على وعي المجتمع المصري.
وللأسف أقولها الآن بملء فمي: العبث التكنولوجي أخرج أسوأ ما في النفس البشريه .
اسمحوا لي أن أقتبس جملة قالها بطل روايتي الجديدة «جلسات»، عادل فهمي الجارحي:
«تعمل برامج السوشيال ميديا وفق ما يُسمّى بنظام المكافآت المتغيرة؛
فمع كل لايك، أو تعليق، أو رسالة، تُفرَز كمية سريعة من الدوبامين، فيطلب المخ إعادة التجربة مرة أخرى، وتستمر الدائرة في الدوران بلا توقف.
وتكون الأعراض: قلة النوم، ضعف التركيز، الشعور بالنقص نتيجة مقارنات وهمية، ناهيك عن البعد الاجتماعي.»
المشكلة لم تكن يومًا في التكنولوجيا، بل في الإنسان الذي سلّم عقله لها دون مقاومة.
تركنا القيم تُستبدل بالترند، والمعنى بعدد المشاهدات، والقدوة بشخصٍ أكثر ضجيجًا.
فإذا كنا قد وصلنا إلى هذا الحد،
فربما آن الأوان أن نتوقف لحظة، ونسأل أنفسنا بصدق:
إلى أين نحن ذاهبون؟






المزيد
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب