كتبت: إيمان محمد حمزة
لقد طُلب إلي كتابة مقالاً عن سيرة ذاتية لأحد المبدعين الذين أعرفهم، ومن بين الكثيرين ظهرت أجمل وأنقى زهرة إلتقيتها بحياتى، والمدهش بالأمر أن معرفتى بها لم تتعدى الأشهر القليلة، ولم ألتقى بها وجها لوجه، وها قد مرت خمسة أعوام على رحيلها، وأجدنى لازلت أتذكرها، وأتذكر صوتها بالهاتف حين مرضت ذات يوم، وفاجئتنى بالسؤال عنى، لم تفكر بدرجة تقاربنا حينها، هى فقط حين لاحظت غيابى، أحست بالقلق، فكرت أننى قد أكون أحتاجها آن ذاك، وهذا ما كان، وأخبركم بصدق لكل من لم يرى (هند) فهو لم يعرف البراءة، والنقاء والصدق، والمرح.
(هند محمد) كاتبه روائية مبدعة، ولدت فى الرابع من شهر فبراير عام ١٩٨٧م، فى أسرة مصرية أصلية بمحافظة القاهره، وقد كانت الإبنة الكبرى لوالديها، تلاها بما يقارب الثلاث سنوات أخاها الوحيد الأستاذ (طاهر) والذى كان أخاً، وصديقاً رائعاً لها، ولازال فخوراً، وسعيداً بكونها كانت له أختاً، كحال والديها الذين لا يفترقا فى شخصيتهما الرائعة عن هند.
بدأت “هند” رحلتها مع الكتابة منذ عام ٢٠١٤ م، حيث تمتعت بقدرة خيالية متميزة، حتى أنها صنعت إختراعات بقصصها وللعجب تم تحقيق البعض منها بالفعل فى الواقع لاحقاً.
كانت محبة للكتابة منذ نعومة أظافرها، فكانت أكثر من ممتازة بكتابة موضوعات التعبير، ومن ثم بدأت بكتابة قصصاً قصيرة، وكانت باكورة أعمالها هى (التجربة الصينية) تلتها العديد من الأعمال مثال
“حب ميؤس منه، إحنا كده جزئين، ملك يميني، قابل للكسر، إختيار إجباري، قلب فاضي، حب فى السر، الدنيا صغيره، أنا القطه” وأخيراً “النهايه واحده” حيث كانت ترى نفسها بشخصية البطله “وسام” وقد تمنت نهاية سعيدة لها، ولكن لم يمهلها القدر فرصة لذلك، فقد توفت أثناء كتابتها للجزء الثالث من هذه الروايه فى الخامس من إبريل عام ٢٠١٨م، فى الثلاثين من عمرها
لقد كانت وفاتها مفاجأه مؤلمة للجميع، فهى لم تمرض مرضاً مميتاً، أو تصاب فى حادث، لقد أصيبت بنزلة برد عادية وعلى إثرها تم نقلها إلى العناية المشدده، ولم يمر يومان، ورحلت عن عالمنا تحمل كل دعوات محبيها لها بالرحمة
لقد غبتُ ليومين فقط، وحين عدتُ، وجدت الخبر قد تم نشره فى جروب الكتابه، ولم أصدق حقًا حتى وإن كانت من نشرته مادامت قالت ذلك فقد حدث، ولكنى لم أستوعب ذلك، وهاتفت من نشرت الخبر لأفهم، ولكنها أكدت لى الأمر.
لقد إنفرط عقد جمعتنا الرائعة برحيل “هند” ولم يستطع أى من أصدقائها، أو متابعيها نسيانها، فهند كانت لديها كاريزما خاصة بها.
لقد كانت فتاة مرحة، محبة للحياة، متصالحة مع الجميع، وقد أرادت إثبات أن العجز الحقيقى الذى قد يعانى منه الإنسان هو بعقله، ونجحت بذلك، فقد كان يسبح عقلها إلى أماكن لم تكن حتى جربت الذهاب إليها، وتجارب لم تختبرها يوماً، ولكنها كانت كمن خاضتها بالفعل! فلم تكن “وسام” وحدها من ترى “هند” بها نفسها، لقد كانت كل بطلة من أبطال روياتها تحمل جزءاً من روحها الجميلة.
كانت محبة للمرح، صديقة وفيه، وعلى حد قول السيدة (أمنيه) أقرب صديقة لها، أن “هند” كانت أقرب لها ممن عرفتهم طوال حياتها، فقد كانت معرفتها بها فى البداية عن طريق متابعتها لأعمال “هند” الرائعة، ومن ثم أصبحتا أعز صديقتان.
لقد تميزت أعمال ” هند” بالإبتكار، والقدرة على السباحة فى عالم الخيال، وكم تمنت ” هند” لو تتحول إحدى تلك الأعمال إلى فيلم سينمائى.
كانت ” هند” صديقة حقيقية لكل من عرفها، فلم تكن فقط تهتم بتعليق أو سؤال سريع، كانت حقًا تهتم فعلياً بكل من حولها، وأكبر دليل كونها كانت أماً ثانية لإبنة صديقتها، كما أقرت فعلياً صديقتها بأنها كانت تربى أبنائها معها، وكانت ” هند” دوماً كما نقول نحن المصريين “حلال العقد” فدوماً ما كان لديها الحل ولا يتوقف عقلها عند معضلة أى إن كانت.
كانت تختلى بنفسها لتكتب بعيداً عن الحياة، تعتزل التكنولوجيا كلها، وهى من تحمل شهادة فى علوم الكمبيوتر، وتغلق على نفسها بلا طعام أو ماء لتحيا مع أبطالها فى عالمها الخيالى؛ لتخرج لنا بإبدعاتها المتميزة.
كانت تحب الحياة، وكل ما بها، تحب الناس، والألوان، لكنها كانت تأكل لتحيا فقط، فلم تكن أكوله، ومن طرائفها اللطيفة بخصوص الطعام، أنها لم تكن تحب صنع المحشى، ولمن لا يعرفه إنه أكلة المصريين المفضله، إنها وجبة شهية، لكنها تتطلب كثيراً من الجهد، ولهذا لم تعجبها، فكلما وجدت صديقتها تقوم بطهيه، تعقب ساخره.
- أنا عاوزه أعرف ليه الهده دى تعملو محشى ف عشر ساعات، ويتاكل ف دقيقه، إنتى وماما غاويين فرهده.
ذات يوم نشرت أحد فصول روايتها، وهناك كلمة لم يفهمها أحد، وتعجبوا لها، وحدثت مناقشة مرحه حولها، وهذه الكلمة أخذتها من إبنة صديقتها فى نادره من نوادرها، حيث كانت تتحدث ” هند” مع صديقتها فتشارجتا إبنتا صديقتها، فصرخت إحداهما بالأخرى قائله.
- يامحكوشه يابنت المحكوشه.
فعلقت هند بمرح: الشتيمه دى تلزمنى.
وبالفعل وضعتها بالقصه، ولم يكن أحد يفهمها، لكنها أضافت مرحاً بالقصة أحبه القارىء.
لقد أحبت الموسيقى، وأطربها صوت “عمرو دياب ووائل جسار” لدرجة كبيره، جعلت صديقتها تحب الإستماع إليهما بسبب عشق “هند” لهما.
لقد كانت “هند” تتمتع بحكمة مرحة بالفعل، فالشقاء بلا داعى كانت تراه إرهاقاً مزعجاً لا فائدة منه، فقد كانت دوماً تقول لصديقتها.
- إنتى زى ماما، مش مريحين نفسكو، وديما تاعبين نفسكو بالتنضيف والأكل.
ياليتها سمعت تصريحات بعض النساء عن أن المرأة ليست ملزمة بهذا أو ذاك، كانت ستملأ الهواء ضحكاً عليهن.
ذات مرة هاتفت صديقتها، والتى كانت تنظف مكتبة منزلها، وتقف على حافة كرسى، فنهرتها ” هند” بإنزعاج.
- يعنى بذمتك إنتى لو جالك ضيف، هيطلع على الكرسى يشوف المكتبه من فوق ممسوحه ولا لاء، ياستى إنزلى بدل ما تتكسرى.
لقد كانت محقة، فلا يعنى نظافة المنزل أو الإهتمام به، أن تعرض المرأة نفسها للأذى، كما لا يعنى أن تترك منزلها مهملاً، لقد كانت حكيمة أكثر ممن هن أكبر منها.
لم أصادف مثيلة لتلك الفتاة، متصالحة مع الكون بأكمله، تحمد الله، راضية على كل شىء، لديها الحكمة التى فقدتها نسوة بعمر والدتها، وبذكر والدتها فالإبنة لوالدتها، إنها إمرأة مصرية أصيله إذا ما إلتقيت بها، لتمنيت لو لديك أماً مثلها، لقد كانت دوماً تعانى مع “هند” فى إرغامها على تناول الطعام، وستفهم كلماتى أغلب الأمهات، فقد كان الطعام من الأشياء المنسية بالنسبة لهند، وطعام روحها ما تحيا به، خيالها الخصب الذى يأخذها لأبعد الحدود.
أخبركم بصدق، أن أى كلمات مهما وصفت لن تصف تلك الفتاة مطلقاً، ومهما حاولت أن أوضح لكما كم كانت ملاكاً للسعادة، لن أوفيها حقها “هند” الفتاة التى جعلت للحياة معنى لكل من حولها، وأطلق مرحها، وعفويتها، التفاؤل فى نفوسهم، تلك هى “هند محمد”، “إيزيس” مبدعة روائية, لن تكرر لذا وبعد إذن الجميع، وكلمه أخيرة أريد منكم دعوة جميلة؛ لأجلها، فهى حقا تستحقها، رحمها الله، ورحمنا جميعاً، فاليوم نحن معاً، وغداً سنلتقى بالآخرين، وياليتنا نلتقى بالجنة، ولا سواها، اللهم آمين.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق