كتب: رفيق حرب
كنا في وقت الشفق بذلك اليوم في منتصف الصيف ونافذة الغرفة مفتوحة؛ لتخفف علينا شيء من الحر الذي نعانيه، وعلى لحن جميل عزفته الدِيَكة وبعض العصافير.
ودَّعَت عيناي النوم وقمت من سريري أو بالأحرى سريرنا أنا، وإخوتي، وأبناء عمومتي وكنت حريصًا على ألا أيقظ أحدهم.
ومن ثم نهضت من مهجعي في تلك الغرفة قليلة الاثاث متوجهًا إلى الحمام وبعدما انتهيت فاق الجميع من ثباتهم وركضوا مهرولين متصافين أمام باب الحمام لتقرر بنت عمنا الكبرى ذات ال 10سنوات أن يدخل الصغار أولاً.
حتى لا يتبولون على الأرض، تركتهم يتذمرون كلٌ يشكي ضيق زنقته وخرجت من الغرفة؛ فوجدت باقي الغرف مفتحة الأبواب مما يدل على أن الأباء قد يقظوا.
فهبضت إلى الطابق الأرضي حيث ينام جدي، وحيث غرفة المعيشة، والمطبخ، وغرفة لإستقبال الضيوف الذين بالكاد يقبلون إلى منزل جدي الريفي.
على غير العادة كانت النوافذ مغلقة والراديو لا يشدو بتلاوة القرآن الكريم مثلما تعودنا من جدي كما أن المصابيح مشتعلة وجدي دائمًا ما يوبخنا لهذا.
فالمنطقة لم تصلها الكهرباء بعد وتكاليف الوقود باهظة، ذهبت إلى المطبخ أيضًا لا روائح ذكية لفطورنا المعتاد ولا أثر لأحد، قطع تفكيري صوت معدتي يشكو إليَّ فراغها.
فمددت يدي نحو قفص التفاح الذي حصدناه مع جدي قبل البارحة وأخذت ألتهمها، بينما قادتني قدماي نحو غرفة المعيشة مرةأخرى، وصاحب دخولي نزول الأولاد من أعلى.
فقاطعت أحاديثهم حول من سيشكو من ألى أمه أو أبيه كعادتهم، وقلت: إختفى الجميع؛ لترد علي بنت عمي قائلة: كفاك مزاحا، فقولت لها: فلتنظري بنفسك إذًا.
قاطع حديثن صوت بنت عمي الصغرى باكية كعادتها طالبة رجوع أمها وأخيها الذي لم يولد بعد في التو واللحظة كما عودها أبيها عندما تطلب أي شيء
لتبدي كبيرتنا إمتعاضها بضم شفتيها نحو خدها الأيسر مشيرة بسبابتيها نحو السماء كمن يدعو على أحد ومن ثم أخدت تهدئها وتربت عليها في حنو.
حتى ترحمنا من صراخها وإصطحبت الصغار نحو المطبخ لتطعمهم بعدما قالت لنا: إبحثوا في كل مكان، كنت قد إنتهيت من تفاحتي؛ فأشرت للباقين معي بأن يأتوا معي خرجنا للباحة الخلفية، فلم نجد أحدًا.
حتى أن الطيور في أقفاصها والبهائم في حظيرتها لم يوضع لها ما تأكله أو تشربه، بعدها عودنا مارين بالبيت نحو الفناء الأمامي لا يعلق أحدنا بكلمة فقط تساؤلات كثيرة تعكسها عيون فارغة خائفة في الفناء.
لم نجد أحد ولا حتى سيارة جدي القديمة وإنقشعت أمامنا المنطقة كلها الكثير والكثير من أراضي القمح ذهبية اللون وحر الصيف الذي دفعنا دفعا؛ لندلف لداخل المنزل.
نستتر من أشعة الشمس جلسنا صامتين تعتلينا الصدمة، والخوف، وقلة الحيلة لا ندري كيف نتصرف ولا ندري ماذا حدث؟ بقينا هكذا لبضعة دقائق.
حتى سمعنا بكاء الصغيرة مرة أخرى بصوت لم نكن نعلم أن بإمكان فتاة في الرابعة إحداثه وككورال مهيب تبعها باقي الأطفال؛ لتفقد الكبرى الأمل في إسكاتهم.
فتركتهم وأتت إلينا ليتبعوها كما يتبع صغار البط أمهم ولم تكن بحاجة أن تسألنا أي شيء؛ فلقد كانت وجوهنا أقدر على التعبير من الكلام، فآثرت الصمت.
وبعد مرور وقت لا نعرف كميته؛ لكنه مر علينا كالسنين تعب الصغار من البكاء، فسكتوا وبعدها كسر صمت مصيبتنا صوت فظيع آخر لم نكن نعرف أنه سيأتي يومًا.
نحبه هكذا هو صوت سيارة جدي نفسها؛ ليبدأ سباق في العدو بيننا نحو الفناء الأمامي للبيت، فوجدناهم بها يركنوها ويهبطوا منها خارجين عدونا نحوهم مهللين.
كما يهلل الأطفال عند سماع جرس الفسحة في الابتدائية احتضناهم ونحن نسألهم أين كنتم؟
ومنا من شكى جوعه وبالطبع لم تغفل الصغيرة عن البكاء ثانية؛ فهذا دأبها، تأسف لنا الجميع وأعطونا حلوى وسكاكر كإعتذار قبلناه بمجرد رؤيتهم.
وأشاروا لنا نحو لفافة من القماش تحاوطنا حولها لننظره، فرأيناه رضيع كالملاك النائم.






المزيد
فتاة الأقحوان
عبر الزمن المجهول
إيناس وويثرب (قصة قصيرة للأطفال)