مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أفيقوا أيها الناس

Img 20240319 Wa0028

كتب: عاطف محمد

غريب أمر الناس، ومن غرابة أمورهم قد تصل لدرجة أنك قد لا تفهم تصرفاتهم أو أقوالهم وأفعالهم كأنك غريب فى بلد لا تفهم لغة قومه مطلقًا، ومهما حاولت أن تبحث أو تدقق فلن تفهم..

لن أطيل عليكم…

ركبت سيارة النقل العام من أول محطة وكانت شبه خالية وكنت أول من ركبها وفزت بمقعد فى مكان استراتيجي، وبعد محطتين أصبحت السيارة ممتلئة تنوء بحملها من الركاب المكتظين داخلها بل وعلى الأبواب.

مما جعلها تسير وكأنها تزحف حتى أنني سمعت عجلاتها تستغيث طالبة الرحمة، وترجو الجميع أن تعتق من هذا العذاب اليومي، كما أنها كانت من الطراز القديم.

وعندما تتوقف فى المحطات تتحرك بعد موافقات ومناقشات عدة بين المغادرين والمستقلين لها واتصالات مع سائق السيارة والمحصل؛ وحمدت الله أنني كنت من المحظوظين الجالسين على أحد الكراسى أنعم بالراحة، فلن استطيع تحمل الوقوف والإزدحام لكبر سني.

حتى أنني قرأت القرآن، وشكرت الله على جزيل العطاء وعلى هذه المنة العظيمة والنفحة الكريمة؛ ولكن وبدون سابق إنذار انبثق من وسط الزحام سيدة عجوز وقفت بجوار الكرسى الذي أجلس فيه.

فرأيت أنه من الشهامة والذوق والتربية والكياسة أن اجلسها بدلًا مني مع أنه كان هناك العديد من الشباب فى سن صغيرة يجلسون أمامي وخلفي وجواري؛ ولكن لم يقم أحدهم بهذا التصرف الانساني..

 المهم أجلستها، حتى أنها لم تشكرني ولم أندهش أو أغضب وألتمست لها العذر فهى عجوز كما أن عمل الخير لا يُنتظر عليه أي أجر.

وبعد محطات عدة عانيت فيها الأمرين من دفع هذا لي ومسح هذا لحذائه ببنطالي ووقوفي أحيانًا على أطراف أصابعي وغير ذلك.

 وفجأة استعدت السيدة العجوز للنهوض للنزول فى محطتها فقلت 

_ يافرج الله  

وشكرت الله على أنني ساعود لمقعدى، فمازالت محطتي بعيدة جدًا أنها أخر الخط تقريبًا، ومن فرط فرحتي هَيَّأت لي نفسي أن أسجد( إذا) وجدت مساحة للسجود شكرًا لله؛ ولكننى لم أكن أجد.

حتى المساحة للتحرك المهم هممت أن أجلس واستريح بعد طول العناء؛ فإذا بها تشير لفتاة في أخر السيارة لتأتي وتجلس مكانها!

فنظرت لها معاتبًا:

_ لماذا تشيرين لفتاة لتجلس مكانك مع أنني من أجلستك وأرحتك ويجب أعود للجلوس، كما أنه كان مقعدي فى الأساس؛ 

فردت قائلة بعد أن نظرت لي باشمئزاز  

_ لقد قلتها الآن إنها فتاة، والفتاة تستحق أن تجلس، كما أنه ليس مقعدك؛ فلم يُكتب لك على اسمك كما أنه ليس ميراثًا، 

ثم أردفت متبرمة تنظر للناس كأنها تؤلبهم على:

_ لا أعرف لماذا يتمسك الكبار بالدنيا هكذا، الكرسي من حق الجميع؛ ثم نظرت لي محذرة، الدنيا فانية والكفن ليس له جيوب افيقوا أيها الناس؛

ثم اجلست الفتاة وتركتني في حيرة مما فعلت ومما قالت.