مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أطماع المستعمر: نيران الجشع التي التهمت الأوطان وأحرقت الحضارات

Img 20240930 Wa0009

كتبته:الإعلامية سبأ الجاسم الحوري

أطماع المستعمر كانت ولا تزال كالنيران التي لا تهدأ، تشعلها رغبةٌ ملتهبةٌ في السيطرة والتوسع، تحت لواءٍ مزيف من الحضارة والمدنية. هي قلوبٌ جشعة لا تعرف معنى القناعة، تحركها أنانية مفرطة، تفوح منها رائحة الدماء والدموع، وتهيم بها شهوة المال والسلطة، حتى جعلت من شعوبٍ بأكملها وقودًا لأطماعها. هؤلاء المستعمرون لم يروا في الأرض سوى مناجم من الذهب، حقولٍ تنتظر الحصاد، وعبيدٍ يحملون أحلامهم الثقيلة على أكتافٍ مثقلة بالمعاناة. كلما تجولوا في الأرض، لم يكن همهم إلا الخيرات التي يمكنهم نهبها، والثروات التي يمكنهم سلبها، لم تكفهم حدود أوطانهم الضيقة، بل طمحوا إلى احتلال كل أرض لم تصل إليها أقدامهم بعد. هم المستعمرون، كسروا الأبواب، واقتحموا الديار، جاؤوا بالسيوف والبنادق، يسوقون خلفهم جيوشًا من القسوة والقهر، وعندما حطوا رحالهم في أوطان الآخرين، لم يعرفوا سوى لغة النار والحديد.

 

أطماعهم بدأت بزعم نشر “الحضارة”، لكن في جوهرها لم تكن سوى ستار يخفي وجوهًا عطشى لكل قطرة من الثروة، وكل ذرة من النفوذ. استعمروا الثقافات قبل أن يستعمروا الأرض، زرعوا الخوف والرعب، جلبوا الجوع والفقر، واستعبدوا الأجساد قبل أن يسلبوا الأرواح. ضاعت حريات الشعوب تحت عجلات أطماعهم التي لا تتوقف، تلك التي تعشق التحكم بمصائر الآخرين، وكأنهم أسيادٌ مقدرون، متحكمون بكل شبر وكل قلب ينبض على تلك الأرض. لم يكن للاستعمار هدفٌ سوى الاستغلال، تحت رايات تحمل شعارات العدالة والتنمية، لكن ما جلبوه كان الدمار والانهيار.

 

هم المستعمرون، باعوا القيم في سوق الجشع، طمعوا في ذهب الشعوب، في بحارٍ مليئة باللؤلؤ، وفي أراضٍ مليئة بالخصوبة والخيرات. لكن هذه الأطماع لم تكتفِ بما فوق الأرض فقط، بل غاصت في عقول الشعوب، فشوهت التراث، ومسخت الهوية، وجعلت من الحضارات العريقة خادمًا لحضاراتهم الزائفة. سلبوا الحقائق وزرعوا الأكاذيب، استغلوا الدين، ورفعوا رايات التحضر في يد، وفي اليد الأخرى كانوا يزرعون الخراب، ويصبون الزيت على نار الفتن، لتظل مستعرة. هكذا كان المستعمر، يسير خلف أطماعه الملعونة، لا يعرف للشبع طريقًا، ولا يترك للأمل منفذًا. كسروا الطمأنينة، فراحوا يحصدون من القلوب آهات لا تنتهي، ومن العقول مخاوف لا تتبدد، مزقوا الأوطان وجعلوا من الشعوب أسرى لأطماعهم.

 

أطماع المستعمر لم تكن مجرد رغبة في الثروة، بل كانت رغبة في إذلال الأمم، كانت سعيًا لإطفاء نورٍ مضيء في سماء الشعوب الحرة، كأنهم يخشون أن يبقى شيءٌ من الأمل في قلوب الأمم التي يطؤها حقدهم. هم غزاةٌ لا يبحثون سوى عن الهيمنة، لا يرون في الآخر سوى خادمٍ لأهوائهم، متعطشين لكل قطرة دم، ولكل جهد يمكنهم استنزافه. عبر الأزمنة، كانت آثارهم واضحة، من دمار حضارات، إلى إفقار شعوب، إلى تشويه حقائق التاريخ. وما أشدّ قسوة التاريخ حين يكتب عن المستعمرين، أولئك الذين قتلوا العدل باسم العدل، وسرقوا الحرية باسم الحرية.

 

وفي نهاية كل قصة استعمار، يبقى المشهد الأخير مشحونًا بالأسى، حيث يترك المستعمر وراءه شعوبًا ممزقة، وأوطانًا أنهكتها الحروب، وجراحًا لا تندمل. لكن، مهما بلغت أطماعهم من قوة، فإن الشعوب الصابرة ستظل تقاوم، ترفع صوتها عاليًا في وجه الظلم، تسعى نحو الحرية مهما كانت التضحيات.