مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أصفاد من ورق: تجاوز لحظة التشكّك

بقلم/ خالد محمد شعبان 

قبل الشروع في الكتابة، قد يجتاحك شعورٌ بالإحباط بسبب خلوّ ذهنك من الأفكار تمامًا؛ وكأن عاصفة الأصوات التي كانت تضجّ في قاعة عقلك قد صمتت فجأة بمجرد أن حاولت تدوين ما تقول، فلا تسمع سوى صرير صراصير الحقل يتردّد في رأسك بشكلٍ مزعج. وهنا تنهار عزيمة الكاتب أمام هيبة الورقة البيضاء، التي تبدو في تلك اللحظة بالذات صحراءَ كثبانُها من الملح لا من الرمل، وحتى إن وُجد فيها نبع ماء، فإن الشرب منه يبدو ضربًا من الانتحار.

في الواقع، هذه الحالة ليست سوى حيلة دفاعية من الدماغ، الذي يحاول – كعادته – دفعك إلى الاسترخاء، لا سيما في خضمّ الضغوط العصبية التي نعيشها يوميًا؛ إذ يصوّر لك أبسط المهام – كشرب كوب من الماء – على أنها عبءٌ ثقيل يضاهي حمل خزان ماء ونقله عبر الصحاري، فتميل فطرتك تلقائيًا إلى توفير الجهد، وتؤثر الراحة على العمل.

ورغم ذلك، فإن مجرد مقاومة بسيطة منك، تندفع فيها إلى النشاط بشكلٍ مباغت، كفيلةٌ بهدم كل تلك الحصون الدفاعية التي تحاول تكبيلك بأصفاد الكسل؛ تلك الأصفاد التي يوهمك عقلك بأنها من الفولاذ، بينما هي في الحقيقة من ورق. ومع ذلك يظلّ القيد النفسي أقوى تأثيرًا من أي قيدٍ مادي عرفه البشر؛ لأنه يشلّ الإرادة لا الأطراف.

كل المطلوب منك هو ألّا تُنصت لعقلك في تلك اللحظة، وأن تجبر جسدك على التحرك نحو مساحة النشاط دون تقديم تبريرات لنفسك؛ فأنت لست بحاجة إلى تبرير المهام الواجب عليك أداؤها، إذ إن الحاجة إلى التبرير هي الفخ الذي يستدرجك إليه عقلك ليقنعك بالعجز. فما دمت مضطرًا إلى تبرير فعلٍ ما لنفسك، سيبدو الأمر غير ضروري، وبالتالي يمكن التنازل عنه. فالعقل مُصمَّم ليختصر الوقت والجهد والتكلفة، فإن تمكّن من إلغاء الفعل نفسه، فلن يتردّد.

قد لا تكون هذه الطريقة مضمونة النتائج فورًا، إذ تحتاج إلى مران، لكنها مع الوقت ستكسبك قوة إرادة صلبة، خاصة عند الرغبة في إنجاز مهام لم يطلبها أحد منك ولا ترتبط بموعد تسليم. وصحيحٌ أن تحديد موعد نهائي، وإخبار الآخرين بالمهمة وموعد انتهائها قد يكون مفيدًا، لكنه ليس الأساس الذي يُعوَّل عليه في محاربة هواية المخ المفضلة في “التوفير”.

فقط تذكّر أن عقلك مبرمجٌ على تخزين الطاقة وصرفها بحكمة؛ لذا لا تحمّل نفسك فوق طاقتها، واحرص على تلبية احتياجات جسدك الأساسية دون إسرافٍ أو تقتير، قبل استنزافه في المهام الشاقة. وفي النهاية، المسألة برمّتها تعتمد على مدى إيمانك بما تريد القيام به.