مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أسطورة رماد العنقاء.. هل نحن شعوب تعيش بالرماد؟

بقلم / خالد محمد شعبان

تقول الأسطورة إن طائراً ضخماً وقوياً يدعى “العنقاء”، يجوب العالم محلقاً فوق السحاب، حتى إذا جار عليه الزمان وشاخ واقترب أجله، طار إلى عشه فوق أعالي الجبال، وهناك يحرق نفسه حتى تتفتت جثته وتصير رماداً أسود، وما تكاد تمر بضع دقائق حتى يشتعل ذلك الرماد مجدداً وينفجر، فتخرج منه “عنقاء” شابة فتية، تطير بعدها إلى مصر لتلقي السلام على أهلها وتعلن مولدها الجديد، ثم ترتفع فوق السحاب لتكرر الدائرة نفسها مراراً وتكراراً إلى الأبد.
ولكن، لماذا مصر بالتحديد؟ ولماذا تسلم العنقاء على أهل مصر دون غيرهم؟ دعوني أخبركم بالسبب؛ إن نمط حياة العنقاء يتجسد في مفاصل حياتنا كلها.
ثقافة اللحظات الأخيرة
منظومة التعليم لدينا قائمة على “التكثيف” قبل الامتحان فقط؛ أما بداية العام ومنتصفه فلا يهتم بهما أحد، لا طلاب ولا معلمون ولا مديرون، وكذلك المنظومة الطبية، فهي قائمة على إنقاذ المريض في اللحظات الأخيرة، حيث تكتظ غرف العناية المركزة بالحالات الحرجة، بينما لا يلتفت أحد لأعراض المرض الأولى، لا الطبيب ولا المريض، حتى الفن يقوم على مبدأ “اللحاق بالمواسم”، بغض النظر عن جودة المحتوى أو كم الأخطاء فيه.
إن “العنقاء” ليست مجرد أسطورة خيالية بل هي عقيدة راسخة في الوجدان منذ عصر الفراعنة، والدليل قصة “فرعون” نفسه؛ الذي انتظر حتى استفحل به الأمر وتجاهل كل الآيات، ولما أدركه الغرق قال “آمنت”، فعل فرعون تماماً كما تفعل العنقاء؛ انتظر حتى تحول الوضع إلى رماد وحاول إنقاذ نفسه في اللحظة الأخيرة.
الرماد الذي يسكننا
نعيش في الدنيا بلا مبالاة، حتى نحترق، ثم نحاول إحياء الرماد فكم من مدمن تاب وهو بين الحياة والموت في المشفى؟ وكم من مهملٍ في علمه عمل في مهنٍ شاقة لا تناسبه لأنه لم يدرك قيمة العلم إلا بعد فوات الأوان؟ وكم من آباء قصروا في حق أبنائهم باسم مشاغل الحياة، ثم عاشوا وحيدين عند الكبر؟ لم ترتبط هذه الأسطورة بمصر عبثاً، إنما هي تسكن وجدان كل من يولد على هذه الأرض؛ أسلوب حياة قائم على انتظار “الموت” للبدء في التحرك.
حتى في كتابة السير الذاتية، نحن نختزل الإنسان، فإذا عشت كشخصية تاريخية عظيمة، سيختزل الكاتب حياتك في صفحة واحدة، يمر سريعاً على طفولتك وتعليمك في سطرين، ثم يبرز “التحول الدرامي” الوحيد الذي غير مسارك، كأن يذكر موقفاً طُردت فيه من عملك فقررت النجاح، وفي النهاية يضع هذا المقال على مدونته، ليأتي متابع يكره أسلوبه ويكتب تعليقاً سطحياً: “يا له من أحمق! لقد ضيعت وقتي في قراءة قصة هذا الرجل”
فخ السطحية والاختزال
هذا هو جوهر مشكلة مواقع التواصل الاجتماعي: “السطحية والاختزال” وفي ثانية واحدة تتحول سيرة إنسان كاملة إلى مجرد “مضيعة للوقت” لشخص لا يهتم أصلاً بما يقرأ، بل يريد تفريغ غضبه فقط.
يذكرني ذلك بموقف حين كنت أملك حساباً على “فيسبوك”؛ حيث قرأت خبراً عن شاب جاب مصر من شرقها لغربها بدراجة هوائية، وأدهشني إصراره لكن صاحب المنشور كتب: “مبارك أيها الشاب، لقد قمت بشيء ليس له أي قيمة على الإطلاق!” كان هذا التعليق سبباً في حذفي لحسابي نهائياً، فبلمسة زر تحول مجهود أشهر من التعب إلى “لا شيء”.
نحن نحطم معنويات الطموحين بلا مبرر، أو ربما هناك مبرر خفي؟ حين نرى إنجازاً رياضياً يستعصي على عامة الناس بسبب تدني اللياقة البدنية، يكون أمامنا خياران: إما نشر ثقافة الرياضة، أو تحطيم هذا البطل ليعود “رماداً” مثلنا، فنشعر بالراحة في قاعنا المشترك.
القطيع الذي يلتهم المتميزين
لأول مرة أرى مجتمعاً يسعى لنحت حياة الناس لتكون نسخاً متطابقة، ومن يجرؤ على التميز يتم تكسير مجاديفه ليعود إلى الشكل التقليدي، وقد صرنا نعيش في بيئة لا تجيز لك التفوق؛ عليك دائماً أن تبقى في مؤخرة القطيع، ألا تتقدم خطوة إلا بإذنهم، كبيدق شطرنج حركته محدودة ومحسومة.
وإذا أردت أن تكون ذا شأن، يكفي أن “تبدو” كذلك فقط؛ فالناس هنا يحكمون بالمظاهر، أما عن ساعات عملك الطويلة، ودموع إخفاقاتك، وصرخات نجاحك، فكلها ستُختزل في كلمتين: “أحسنت صنعاً”، يتبعهما ما يمحو أثرهما: “ولكن لا تدع هذا الهراء يلهيك عن مسارك التقليدي (دراسة، عمل، زواج، تقاعد)”.
في النهاية، حتى هذا المقال الذي أكتبه، قد يرى البعض أنه لا يستحق العناء، لذا إن لم تكن تريد أن تكون “بيدق شطرنج”، فكن واعياً بما أنت عليه وبما تريد، فتعلم السباحة عكس التيار ولا تتركهم يجرونك للغرق، نحن نعيش في مجتمع يوجه الجميع نحو الهاوية، وإن امتنع أحدهم، لا يعاقبونه، بل يتركون “القطيع” يلتهمه حياً.. وهم يشاهدون الحدث بنشوة وبدم بارد.