بقلم أ/ خالد العرفي – رئيس مركز ومدينة طنطا
“ابتسامة قارئ القلب وحكايات رصيف الفحم.. رثاءً في ذكرى صديقي الراحل”
في كل مدينة قديمة، هناك قلبٌ لا يزال ينبض رغم صمت الجدران، وروحٌ تتجوّل بين الكتب والذكريات، كأنها لم تقبل فكرة الفناء بعد.
في هذه القصة، لم أكتب عن صديقي الراحل بقدر ما تركته يكتب نفسه من جديد بين السطور؛ فكل جملةٍ فيها محاولة لإنقاذ صوته من الغياب، واستعادة ضحكته التي كانت تعلم كيف يمكن للحزن أن يكون هادئًا، وللفقد أن يكون جميلًا.
لم يكن “قارئ القلب” مجرد أديبٍ غريب الأطوار، بل كائنًا يرى بالعاطفة أكثر مما يرى بالعقل، ويفهم الناس بالصمت أكثر مما يفهمهم بالكلمات.
حين يكتب، تشعر أن الحبر يتحوّل إلى نبضٍ، وأن النصوص تستيقظ من سباتها لتعيش معنا. وحين رحل، ظلّت روحه مكتوبة في دفاتره الصغيرة، تتنفّس بين الحروف، وتذكّر أن الكتابة شكلٌ آخر من أشكال البقاء.
هذه القصة إذن ليست رثاءً، بل زيارة أدبية لقلبٍ لا يزال يبتسم في مكانٍ ما من الذاكرة.
ابتسامة قارئ القلب… التي لا تشرح شيئًا، لكنها تقول كل شيء.
…
حين غادرنا صديقي الأديب راحلًا إلى العالم الآخر، شعرت أن المدينة القديمة نفسها فقدت نبضها العتيق الهادئ؛ كأن كل الحروف التي كتبها كانت أسوارًا صغيرة تحرس قلوبنا، وقد انهارت فجأة. كانت وفاته موتًا أنيقًا؛ رحل كنسمةٍ ذبلت على غصنها. بكيناه مبتسمين راضين؛ لأنه نال الراحة التي كان ينشدها أخيرًا. ذهب في الستين من عمره، لكن وجهه ظل محتفظًا بملامح براءة الطفولة.
شعره فضيّ خفيف عند الجانبين، يتركه دائمًا غير ممشّط تمامًا، كأنه خرج لتوّه من جلسة كتابة أو من حلمٍ طويل.
يكتب كأنه يلمس القلوب بيديه. يسمع نبض الكلمات قبل أن يخطّها. يداه ممتلئتان قليلًا، وحين يتحدث يحرّكهما كما لو كان يكتب جملةً في الهواء. يعرف بالضبط كيف يخلق نغمةً للنص. فوضاه مقصودة، تشبه فوضى الفنان الذي يعرف ما يفعل.
عيناه واسعتان، وبريقهما ساكن، كأنهما تقرآن ما وراء الوجوه لا ما أمامها. لذلك لُقّب بـ”قارئ القلب”؛ لأنه يفهم الناس بالحدس لا بالعقل. من يحدّق فيه يشعر أنه يُقرأ لا يُرى.
كان يرتدي دائمًا جاكيتًا رماديًا أو معطفًا داكن اللون، قديمًا بعض الشيء، يحتفظ في جيبه بدفتر صغير أو قصاصة ورق. لا يهتم بالأناقة بمعناها السطحي، بل بهيئة تشبه فكرته عن ذاته: متقشّف نبيل.
يمشي بخطوات متأنية، كأنه يجرّ ذاكرة العالم وراءه. من يراه يظنه شاردًا، بينما هو يعيد تركيب مشهد أو جملة في رأسه.
صوته عميق خفيض النبرة، يحمل موسيقى القراءة أكثر من الكلام، كأن كل جملةٍ عنده تأتي من كتابٍ قُرئ منذ زمن بعيد.
كان يعيش كمن أتى من زمن آخر، متصالحًا مع انعزاله. يأنس بالكتب والأرواح القديمة أكثر من الأحياء. متجاوزًا حدود الزمن، يعيش بين الحاضر والماضي كمن يتجول في متحفٍ لا تُغلق أبوابه أبدًا. يحمل في داخله أرواح من قرأ لهم وكتب عنهم؛ كأنه وعاءٌ يحمل صوت ابن إياس، وظلال ابن خلدون، وضحكة نجيب محفوظ، وسكون توفيق الحكيم.
كان يقول لي مرة:
“كل الكتّاب يموتون شبابًا… حتى وإن عاشوا لسنّ التقاعد.”
وكان يؤمن أن الكلمات لها حرارة الجسد؛ لذلك لا يترك جملةً تبرد دون أن ينفخ فيها دفئه.
إذا قرأت له كثيرًا، تكتشف أن نصف عبقريته يكمن في سوء خطه.
يكتب كمن يطبخ دون وصفةٍ أو توقيت، لكنه يخرج دائمًا بطبقٍ لا يمكنك إعادة تسخينه.
كان يعيش بنصف قلبٍ في الحاضر، والنصف الآخر معلّق في الهامش أسفل الصفحة.
يقولون إن ذاكرته خارقة، لكنه في الحقيقة لا يملك القدرة على النسيان؛ لا للأشخاص ولا للأخطاء.
وفي لحظات الصمت، يبدو كأنه يُصغي إلى صفحاتٍ لم تُكتب بعد.
…
أحسب أنه لم يكن يكتب عن الناس بقدر ما كان يكتبهم؛ كمن يفرز قلوبهم في دفترٍ قديم، يضع الحب في خانة، والخذلان في أخرى، ويترك البقية للغبار.
كان يؤمن أن كل إنسان كتابٌ ناقص الصفحة الأخيرة، وأن مهمته في الحياة أن يملأ هذا الفراغ بالحروف التي لم يجرؤ أحدٌ على نطقها.
قال لي في إحدى نوباته الساخرة:
“الناس تظن أني أكتب لأُعبّر عنهم… وأنا في الحقيقة أكتب لأتخلّص منهم.”
ضحكت يومها، فقال وهو يسكب قهوته ببطء:
“القلوب لا تُقرأ بالكلمات، بل تُقرأ بالسكوت… فقط أصغِ جيدًا لما لا يُقال إلا بالصمت.”
ثم أدار وجهه نحو النافذة، وظل صامتًا طويلًا، كأنه يُنصت لنبض المدينة العجوز.
وحين التفت إليّ أخيرًا، كان يبتسم… تلك الابتسامة التي لا تشرح شيئًا، لكنها تقول كل شيء.
ابتسامة قارئ القلب.
…
أعرف أن “قارئ القلب” لم يمت؛ لأنه لم يكن يعيش بالجسد أصلًا، بل بالكلمة — والكلمة لا تُدفن.
ربما لو قرأ هذه السطور لاكتفى بابتسامةٍ خفيفة، وقال بطريقته الساخرة:
“ها أنت أيضًا وقعت في الفخ… ظننت أنك تكتب عني، بينما أنت تكتبني.”
لهذا لا أودّ أن أودّعه، بل أتركه يواصل حديثه في القلوب التي لم تلتقِ به بعد.
سيظلّ ذلك الراحل يمشي بيننا، كلما قرأ أحدهم جملةً تشبهه.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي