مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أديب الفلاسفة

كتبت: آية الهضيبي 

 

لا شك أنَّ التاريخ والأدب العربي موسوعة للكثير من الأدباء والمؤثرين على مر العصور مُنذُ العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث والمُعاصر، ومن أشهر كُتاب القرن الرابع الهجري”أبو حيان التوحيدي”.

هو “علي بن مُحمد” وكنيته أبو حيان، ولقبه “التوحيدي” وذلك اللقب يُقال أنه كان ينتمي إلى فرقة المُعتزلة الذين كانوا يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وقيل سببها أن أباه كان يبيع نوعًا من التمر العراقي ببغداد يطلق عليه «التوحيد»، وهو الذي عناه المتنبي حين قال:

 

يرتشفن من فمي رشفات هن فيه أحلى من التوحيدِ

وعلى الرغم من منزلة ذلك الرجل إلا أنه لم يشتهر في عصره وسنعرف الأسباب بعد قليل.

اختلفوا في نسبه، وكثرة وجود الأعاجم من الروم والفُرس أدى إلى ذلك كما أنهم اختلفوا في نسب “المُتنبي” وقالوا له يا دعيَّ كِندة، فَقيل أنَّ أبا حيان فارسي الأصل وأنه وُلِدَ في نيسابور”شرق بلاد فارس، إيران حالياً” وقيل أنه وُلد في “شيراز” وقيل أنه وُلد في بغداد، و “ياقوت الحموي” من مدينة حماة قال أنه فارسي الأصل ولكنه تربى ونشأ في بغداد نشأة عربية.

نشأ أبو حيان في عائلة من عائلات بغداد الفقيرة يتيمًا، يعاني شظف العيش ومرارة الحرمان؛ لا سيما بعد رحيل والده، وانتقاله إلى كفالة عمه الذي لم يجد في كنفه الرعاية المأمولة، فقد كان يكره هذا الطفل البائس ويقسو عليه كثيرًا، وحين شبَّ امتهن مهنة “الوراقة”، وتِلك الحرفة أتاحت لذلك الشاب أن ينهل من الثقافة والمعرفة فأصبح فيما بعد رجُل موسوعي ولا سيما تأثره بالجاحظ؛ حيث كانوا يُشبهونه به وليس هذا بغريب لأنه بالنسبة إليه مثله الأعلى وأيضًا أُعجب بالمُتنبي وشِعره.

وقد امتاز أبو حيان بسعة الثقافة وحدة الذكاء وجمال الأسلوب، فهو رجل موسوعي الثقافة، سُمي أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء كما، امتازت مؤلفاته بتنوع المادة، وغزارة المحتوى؛ فضلًا عما تضمنته من نوادر وإشارات تكشف بجلاء عن الأوضاع الفكرية والاجتماعية والسياسية للحقبة التي عاشها، وهي -بعد ذلك- مشحونة بآراء المؤلف حول رجال عصره من سياسيين ومفكرين وكتاب.

 

 

وأما عن سبب عدم شهرته في عصره؛ بل في عصرٍ تلى عصره أي بعد وفاته أنه رغم ما حصل عليه من كم هائل من المعلومات إلا أنها لم ترضِ طموحه ولم تلّبِ حاجاته فانصرف عنها إلى الاتصال بكبار متنفذي عصره من أمثال ابن العميد والصاحب بن عباد والوزير المهلبي غير أنه كان يعود في كل مرة صفر اليدين، خائب الآمال، ناقمًا على عصره ومجتمعه.

هذه الإحباطات الدائمة، والإخفاقات المتواصلة؛ انتهت بهذا الأديب إلى غاية اليأس فأحرق كتبه بعد أن تجاوز التسعين من العمر، وقبل ذلك فّر من مواجهة ظروفه الصعبة إلى أحضان التصوف عساه يجد هنالك بعض العزاء فينعم بالسكينة والهدوء.

ولعل سر ما لاقاه أبو حيان في حياته من عناء وإهمال وفشل يعود إلى طباعه وسماته؛ حيث كان مع ذكائه وعلمه وفصاحته واسع الطموح، شديد الاعتداد بالنفس، سوداوي المزاج… إلى غير ذلك من صفات شخصية وضعت في طريقه المتاعب وحالت دون وصوله إلى ما يريد.

 

وفي النهاية نجد بعد ذلك أنه كان على وعي بالحركة الثقافية واتصال ببعض رموزها في عصره؛ كما يظهر كأديب يمتاز أسلوبه بالترسل والبعد عن المحسنات البديعية.

وله ثلاث رسائل وهي: رسالة السقيفة، ورسالة في علم الكتابة، ورسالة “الحياة”.

وإذا أردتَ أنْ تترُك أثرًا وبصمة خاصة بك لا تكُن إنسانًا عاديًا يعيش ويموت دون أنْ يصنع فارقًا، أو يُحقق إنجازًا مُتميزًا يجعل التاريخ يذكُره، وكل ذلك لا يأتي من فراغ؛ بل من جد واجتهاد وطموح عظيم؛ فبلوغ المُنىٰ يحتاج إلى الصبر والأُمنيات الغير مُستحيلة كأنك تود أن تصعد جبل ولكنك تخشى حتى مُجرد المُحاولة فَترضىٰ أنْ تعيش أبد الدهر بين الحُفر.