مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أحببتك أكثر مما ينبغي بقلم هاني الميهى

أحببتك أكثر مما ينبغي بقلم هاني الميهى

 

كنتُ هناك، على حافة الحكاية، أراقب كيف يولد الحبّ في لحظةٍ من صدفةٍ بريئة، وكيف يتحوّل — ببطءٍ لا يُرى — إلى لعنةٍ متقنة الصنع.

رأيتهما يلتقيان في فوضى الحياة كما يلتقي نهران متناقضان؛ أحدهما صافٍ حدّ الشفافية، والآخر يحمل في طيّاته رواسب السنين وثقل التجارب.

في البدء، كان المشهد أشبه بعزفٍ هادئ على وترٍ جديد، يلمع فيه الأمل كلؤلؤةٍ في ضوء الفجر،

لكنّ ما بدأ نغمةً عذبةً لم يلبث أن صار نشازًا من فرط التكرار، ومن عمق التنازلات.

كانت تُحبّه أكثر مما تحتمل روحٌ واحدة، تُعطيه حتى وهي تُستنزف،

تراه كلّ العالم، بينما هو لا يرى في ملامحها إلا انعكاس رغباته المؤقتة.

كانت تمشي خلفه بثقةِ العاشق الذي صدّق أن الإخلاص يصنع المعجزات،

وكان يمضي أمامها بخفّة من يعلم أن المحبة، حين تُعطى بغير شرط، تصبح ميدانًا للعبور لا للوصول.

رأيتُها تتغيّر، لا تدري متى بدأت تُقصي نفسها من معادلة الحياة،

كيف تحوّلت من امرأةٍ حيّةٍ إلى ظلّ يركض خلف وعدٍ لا يُقال،

كيف أصبحت تُبرّر، وتُدافع، وتُقاوم الخذلان بالسكوت.

كلّ ما كان بريقًا صار رمادًا، وكلّ ما كان وعدًا صار سيفًا مسلولًا على اتزانها الداخليّ.

في لحظةٍ ما، أدركت — متأخرًا — أنّها أحبّت أكثر مما ينبغي.

ذلك “الأكثر” الذي لا يرحم، ولا يُكافأ، بل يُحاسب عليه القلب كما يُحاسَب المخطئ على نواياه.

كانت تظن أن الحبّ خلاص، فاكتشفت أنه امتحان،

وأن النجاة لا تأتي بالعاطفة وحدها، بل بالعقل حين يختار أن يُغلق الباب، ولو تأخّر القرار.

أراقب النهاية كما تُراقب الشمس لحظة غروبها؛

جميلة، مؤلمة، محتومة.

لم يكن فراقًا بقدر ما كان صحوةً قاسية،

لحظةَ وعيٍ نادرة حين تنكشف الحقيقة:

أن الحبّ بلا توازنٍ يُفقدنا أنفسنا قبل أن نفقد الآخر،

وأن القلب، مهما اتّسع، لا يُنقذ من لا يريد أن يُنقَذ.

رحلت هي وبقي صداها،

رحل هو وبقي أثره،

وبقيت القصة معلّقة بين العطاء والخذلان،

كأنّها تذكيرٌ أبديّ بأن الذين يُحبّون أكثر مما ينبغي… يُكسرون أكثر مما يتوقّعون.