مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أجنحة مكسورة (الفصل الرابع – غربة في الداخل) بقلم هانى الميهى

أجنحة مكسورة (الفصل الرابع – غربة في الداخل) بقلم هانى الميهى

 

ليست الغربة دائمًا في بلادٍ بعيدة، ولا في لغةٍ لا نفهمها، ولا في شارعٍ لا نعرف ملامحه.

أحيانًا تكون الغربة في أقرب مكانٍ إلينا: في القلب نفسه.

حين نصحو فنجد أنفسنا غرباء عن ذواتنا، لا نشبهها ولا تفهمنا، كأننا ضيوفٌ على حياتنا، نعبرها بوجوهٍ متعبةٍ لا تعكس حقيقتنا.

 

بعد الانكسار، تتغيّر علاقتنا بذواتنا.

ننظر في المرآة فلا نرى سوى ظلٍّ باهتٍ لشخصٍ كنا نعرفه يومًا.

نبتسم مجاملةً، لكن الابتسامة غريبة عن وجوهنا، نضحك لكن الضحكة باردة كأنها تنتمي إلى شخصٍ آخر.

كلّ حركةٍ نقوم بها تصبح مصطنعة، وكلّ كلمةٍ ننطقها تبدو مترددة، حتى الصمت نفسه يتحوّل إلى غربةٍ جديدة لا نفهمها.

 

الغربة في الداخل أشدّ من الغربة عن الأوطان.

الوطن حين نبتعد عنه يبقى حيًّا في الذاكرة، يمكننا أن نزوره، أو نشتاق إليه، أو نعود يومًا إلى ترابه.

لكن ماذا عن وطننا الداخلي حين يتهدّم؟

أين نعود إذا أصبحنا غرباء عن قلوبنا؟

 

نجرّب أن نبحث عن ملاذٍ بين الآخرين، فنتعلّق بوجوههم علّها تمنحنا شعورًا بالانتماء.

لكنّ الخيبة تتكرّر: لا أحد قادر أن يمنحك وطنًا إذا فقدت وطنك في داخلك.

تكتشف أنّك تجلس بين أصدقائك وتشعر وحيدًا، وأنك تتحدّث كثيرًا كي تخفي صمتًا أعمق، وأنك تبتسم كي لا يسألك أحد عن غربتك التي لا تُترجم بكلمات.

 

الغربة في الداخل تُشبه سيرًا طويلًا في صحراء بلا خريطة.

تمشي ساعاتٍ وساعات، ولا تصل.

تبحث عن ظلّ، عن علامة، عن أيّ أثرٍ يدلّك على الطريق، لكن الرمال تبتلع خطواتك كلّما حاولت أن تلتفت.

فتدرك أنّك لا تحتاج إلى طريقٍ خارجي، بل إلى مصالحةٍ مع نفسك التي هجرتك.

 

ربما لا ننجو من هذه الغربة إلا حين نتوقّف عن البحث في الخارج، ونعود إلى أعماقنا كما يعود الغريب إلى بيته بعد سنواتٍ من التيه.

هناك فقط، نستطيع أن نعيد بناء الجدار المنهار، أن نُرمّم النوافذ المفتوحة على الريح، أن نُشعل مصباحًا جديدًا يضيء ما أطفأه الألم.

 

لكن يبقى السؤال المُعلّق:

هل يمكن أن نصبح يومًا أوفياء لذواتنا بما يكفي، كي لا نشعر أننا غرباء عنها؟