وجع أذار
بلال حسان الحمداني
لن أنسَ أياديكَ البيضاءَ ما حييتُ، أيادٍ لا أستطيعُ عدَّها، ومناقبُ أقلُّ من أن تُذكر؛ ليالي الظلماءِ التي كانت بيضاءَ فيكَ، صدقُ مواساتِكَ وأنت طبيبٌ يداوي الناسَ وهو عليل نديٌّ، كفُّكَ وطولُ عمادِكَ وكثرةُ رمادِكَ. رغم كل ما كان؛ حنوُّ أياديكَ التي كانت تطعمني فتذكرني بحنوِّ أمي عليَّ فكنت تأنبني على إهمالِ نفسي وعدم تناولي الطعام، فأنى لي بمثلكَ؟ وصبركَ على زلاتي أيام سقطتي العاطفية، فكنتَ أكثرَ من تفهمني، استوعبني، احتواني.
سَأَشكُرُ عَمراً إن تَراخَت مَنيَّتي
أَياديَ لَم تُمنَن وإن هيَ جَلَّتِ
فَتىً غَيرُ مَحجوبِ الغِنى عَن صَديقِه
وَلا مُظهِرُ الشَكوى إِذا النَعلُ زَلَّتِ
رَأى خَلَّتي مِن حَيثُ يَخفَى مَكانُها
فَكانَت قَذَى عينيهِ حَتّى تَجَلَّتِ
كنتَ فراتياً أصيلاً تحملُ بين جنبيكَ كرمَ وأصالةَ وشهامةَ مدينةٍ شهدَ لها الجميعُ بصفاتِها الحسنةِ، فلم تتغيرْ ولم تتبدلْ، وما غيرتكَ ولا بدلتكَ قذارةُ هذه الدنيا ورجسُها وبقيتَ كما أنتَ، فليتنا كنا كما كنتَ أيها الأصيلُ. سامحني سأعاتبكَ بهذه الكلمات:
كنتَ خلَّ الغربةِ فلما دعاكَ البينُ وافقتَ رأيهُ في المرادِ
ورأيتَ الوفاءَ للصاحبِ الأولِ
من شيمةِ الكريمِ الجوادِ
ها أنت ترحلُ وتخلفني وراءكَ بالهمِّ والأحزانِ والكدرِ دون أن يحولَ الحولُ الثاني للقاءنا الأولِ، وغداً سأستقبلُ آذار الذي جمعنا بأولِ يومٍ من فراقكَ؛ فمفارقةٌ مؤلمةٌ هي. كنتُ آملُ أن يحولَ الحولُ الثاني للقاءنا ونحن مجتمعون لأدفعَ زكاةَ القدرِ الجميلِ الذي ساقكَ إليَّ، فتاريخُ لاقيتكَ به هو يومُ عيدٍ وتاريخُ فارقتكَ به يومُ عزاءٍ.
إن كنتُ ممتناً لتلك العلاقة التي تعرف، فسأمتنُّ أني بسببِها عرفتكَ، وإن كنتُ ممتناً للثورة من شيءٍ فسأمتنُّ لذكراهُ التي أقامها التجمعُ ولاقيتكَ فيها، وإن كنتُ ممتناً أيضاً لترحيلي من البلد فممتنُّ أن أثبتت لي أنكَ الصاحبُ الوفيُّ الذي بقي ثابتاً في حين سقطَ الجميعُ.
فللهِ دركَ، فأنتَ الذي تجيدُ حفظَ الودادِ. غفرَ اللهُ لكَ بقدرِ ما أحببتكَ، بقدرِ ما أسديتَ لي من أيادٍ بيضاء، بقدرِ ما تألمتُ لفراقِكَ. امضِ على بركةِ اللهِ موفقاً معاناً مسدداً، وانعم بقربِ من تحبُّ بأيامِ حبٍ سرمديٍ بإذن الله تعيشُ في ظلالهِ وفي رغدِ السعادةِ والحنوِّ والهناءِ. وعلى أملِ لقاءٍ وعناقٍ، فلا أقولُ لكَ مع السلامةِ، لكن أقولُ لكَ: “إلى لقاءٍ تطيبُ به النفسُ ويشفي لوعةَ الفراقِ والشوقِ”.
فأنتَ الذي إن كان خِلِّي لم أقلْ
يا ليتني لم أتخذكَ خليلا
صديقك ومحبك بلال أبو سعد
من سويداء القلب وبكل ما أوتيتُ من حب لك






المزيد
القلم و الورقة بقلم عبدالرحمن غريب
شمس جديدة بقلم عبدالرحمن غريب
رمضان… ميزان القلب بقلم الكاتب هاني الميهى