بقلم: محمد حسن
في زمنٍ تتسارع فيه الخطوات وتضيع الأصوات بين ضجيج الحياة، يطل علينا بعض الموهوبين ليذكّرونا أن الكلمة ما زالت قادرة على منح الأمل، وأن الشعر ليس مجرد أبيات موزونة، بل رسالة إنسانية تحمل الدفء والصدق. ومن بين هؤلاء تبرز هناء علي، خريجة كلية التربية بجامعة الزقازيق، التي آمنت أن التعليم أعظم رسالة، وأن الشعر نافذة الروح إلى قلوب الناس.
منذ طفولتها، بدأت هناء تميل إلى كتابة موضوعات التعبير بأسلوب مختلف، تحمل بين السطور قافية خفية وإيقاعًا خاصًا، وكأن الكلمات تبحث عنها قبل أن تبحث هي عنها. وفي المرحلة الإعدادية، حين قرأت أشعارها لأصدقائها، رأت الدهشة في عيونهم والإعجاب في أصواتهم، فكانت تلك اللحظة الشرارة الأولى التي منحتها الثقة والدافع للاستمرار.
لم تكن قصيدتها الأولى مجرد تجربة، بل كانت صرخة حب للوطن في أيام ثورة يناير، لتثبت أن الشعر يولد من رحم المواقف الصادقة. ومع مرور الوقت، لم تخض هذه الرحلة وحدها؛ فقد كان لأسرتها وأصدقائها دور بارز في دعمها، كما وجدت في أصوات المذيعين على موجات الراديو مصدرًا متجددًا للإلهام والتشجيع.
هناء ترى أن الشعر ليس ترفًا عاطفيًا، بل رسالة ومسؤولية. وتؤكد أن القارئ حين يلتقي بكلماتها يجب أن يشعر أن هناك من يفهمه، من يضع يده على قلبه ليطمئنه. لذلك جعلت رسالتها الأبدية هي زرع الأمل، حتى وسط الأحزان.
لكن الطريق لم يكن سهلًا؛ فالإحباط، ونقص الدعم المعنوي، وقلة التقدير كان يمكن أن يوقفها، لكنها اختارت المقاومة لا الاستسلام. ومن هنا أسست جروب ارتقاء الذي استمر لعشر سنوات، ليكون منبرًا لدعم المواهب حتى لا يشعروا بالعزلة أو يفقدوا الحماس.
وعن نظرتها للكتابة، تعتبر أن الموهبة هي الأساس، أما التعلم والممارسة فهما جناحان لا غنى عنهما لصقل تلك الموهبة. وتؤمن أن الشعراء الشباب يستحقون فرصًا أكبر، لذلك تحرص أن تكون جزءًا من هذا الدعم، سواء عبر منصتها أو من خلال مشاركتها في مسابقات مثل إبداع التي تحتضن المواهب الواعدة.
أما عن أسلوبها في الكتابة، فتصفه بأنه السهل الممتنع؛ كلمات تصل إلى القلب ببساطة وصدق دون تعقيد، لكنها تحمل عمقًا لا يُدرك إلا بالتأمل. فهي تكتب أحيانًا بدافع إحساس مفاجئ، وأحيانًا أخرى تنطلق من فكرة تستحق أن تتحول إلى نص.
قصيدتها كل تجعيدة في ملامحك كانت محطة فاصلة في مسيرتها، إذ فازت بالمركز الأول على مستوى الجامعة، وكانت الأقرب إلى قلبها، لأنها ربطتها بعلاقة وجدانية خاصة مع والدها. كما أصبحت رمزًا لحلمها بأن تصل الكلمة إلى أكبر عدد من الناس.
رسالتها لكل من يريد أن يدخل عالم الشعر والكتابة واضحة وصريحة: “اقرأ كثيرًا، اكتب كثيرًا، لا تخشَ من البدايات الضعيفة، فكل قصيدة بسيطة تفتح لك الطريق نحو قصائد عظيمة.”
وحين تُسأل عن حلمها الأكبر، تجيب بثقة حالمة: أن يكون لها ديوان شعري يُعرض في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ديوان يحمل نضج التجربة وصدق المشاعر، ليكون مرآة لرحلة طويلة من الإصرار والشغف.
إن هناء علي ليست مجرد شاعرة تكتب أبياتًا، بل إنسانة اختارت أن تجعل من الكلمات وسيلة لإنقاذ الأرواح من الحزن، وزرع الأمل بين السطور. هي نموذج للشاعر الحقيقي الذي يدرك أن القصيدة مسؤولية، وأن الكلمة حياة، وأن الحلم مهما بدا بعيدًا يمكن أن يتحقق حين يظل القلب مؤمنًا والروح متمسكة بالصدق.
في عالمٍ يتبدد فيه الصدق أحيانًا، تظل كلمات هناء علي شاهدًا على أن الشعر ما زال قادرًا على أن يكون بوصلة إنسانية، ترشدنا إلى الأمل، وتجمع بين صفاء المشاعر وعظمة الرسالة. إنها تجسيد لمعنى أن يكون الشاعر صوت الناس، وذاكرة الأمل في قلوبهم.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب