بقلم دكتورة: إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وعضوة بمنظمه حقوق الإنسان المصريه وصاحبه كتابي البحث عن الذات و كتاب طوظ
تُعد نوبات الهلع، أو ما يُعرف بـ البانك أتاك (Panic Attack)، من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا وإرباكًا لمن يمرّ بها. فهي حالة مفاجئة من الخوف الشديد أو الانزعاج العارم، تبلغ ذروتها خلال دقائق معدودة، دون وجود خطر حقيقي يبرر هذا الشعور. وغالبًا ما يصفها المصابون بأنها تجربة قاسية تُشبه الإحساس باقتراب الموت أو فقدان السيطرة أو التعرّض لنوبة قلبية.
تتجلى نوبة الهلع في أعراض جسدية ونفسية متداخلة، منها: تسارع ضربات القلب، ضيق التنفس، التعرّق، الارتجاف، الشعور بالاختناق، الدوار، ألم في الصدر، تنميل في الأطراف، أو إحساس بالانفصال عن الواقع. هذه الأعراض، رغم شدّتها، لا تعني وجود خطر عضوي حقيقي في معظم الحالات، بل هي استجابة مبالغ فيها من الجهاز العصبي لما يفسّره الدماغ على أنه تهديد.
تنشأ نوبات الهلع أحيانًا نتيجة ضغوط نفسية متراكمة، أو صدمات سابقة، أو توتر مزمن، وقد تظهر دون سبب واضح. كما قد تتكرر لدى بعض الأشخاص لتتحول إلى ما يُعرف باضطراب الهلع، حيث يعيش الفرد في قلق دائم خشية تكرار النوبة، مما يدفعه إلى تجنب أماكن أو مواقف معينة ارتبطت لديه بالنوبة الأولى، وهو ما قد يقيّد حياته الاجتماعية والعملية.
من المهم التأكيد أن نوبات الهلع ليست ضعفًا في الإيمان، ولا خللًا في الشخصية، ولا دليلًا على “الجنون”، بل هي حالة نفسية قابلة للعلاج والدعم. ويتنوع العلاج بين العلاج النفسي، وخاصة العلاج السلوكي المعرفي، الذي يساعد المريض على فهم أفكاره المشوِّهة وتعديل استجاباته، وبين بعض الأدوية التي يصفها الطبيب المختص عند الحاجة. كما تُعد تقنيات الاسترخاء، والتنفس العميق، وتنظيم نمط الحياة، وممارسة الرياضة، عوامل مساعدة فعّالة في تقليل حدّة النوبات.
إن التوعية بنوبات الهلع ضرورة إنسانية ومجتمعية؛ فالكثير من المصابين يعانون في صمت خوفًا من الوصم أو سوء الفهم. والدعم الأسري والبيئة المتفهمة يساهمان بشكل كبير في رحلة التعافي. فحين يدرك الإنسان أن ما يمر به مفهوم وله تفسير وعلاج، يتحول الخوف من عدوٍ مجهول إلى تجربة يمكن احتواؤها والسيطرة عليها.
ختامًا، نوبات الهلع ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية لفهم أعمق للذات واحتياجاتها. والاعتراف بالمشكلة هو أول خطوة نحو الشفاء، فالصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، والاهتمام بها حق لكل إنسان.






المزيد
بين رحمة القلب وحذر العقل
متاهة البيانات: عندما يعصف التراخي بنظم التخطيط
شهر رمضان فرصة لتحكم فى المشاعر