كتب: كيرلس ثروت
ما أجمل أولئك الفاسدين الذين لا يختبئون خلف جلباب الفضيلة.
وما أقبح أولئك الفضلاء الذين تنمو في دواخلهم غابات من الفساد، ولا يراها أحد.
إن للفجور على قبحه صدقًا خامًا يثير في النفس قدراً من الطمأنينة؛ إذ تعرف عدوك فلا تخشى خيانة القناع.
أما حين يُتقن الفسادُ لبس العباءة البيضاء، ويُتقن الصمت في حضرة المبادئ، فإنه يصير أفتك من الداء… لأنه يُشبِه الدواء.
العالم اليوم لا يعاني من فسادٍ ظاهر بقدر ما يئنّ تحت وطأة الطُهر الزائف.
ذلك الطُهر الذي يُصلّي بيد، ويَسرق بالأخرى.
الذي يتحدث عن الله كثيرًا، ولا يترك لله شيئًا.
هل رأيتَ قاتلًا يكتب عن الرحمة؟
أو لصًا يلقي خطبة في الأمانة؟
أو خائنًا يُدرّس فنون الوفاء؟
لا تستغرب؛ فهؤلاء لا يسكنون القصص، بل يسكنون منابرنا، ومجالسنا، وقلوب العوام.
لقد أصبح الفساد اليوم يرتدي أجمل ما فينا… أسماءنا، أدياننا، أحلامنا، أقنعتنا المصنوعة من بقايا الأخلاق المهجورة.
فلا عجب إن صار النزيه متّهمًا، والصامت مدانًا، والناصح ساخرًا من نفسه!
إن أسوأ ما يصيب أمةً ليس أن يكثر فيها الفساد…
بل أن يكثر فيها المدّعون للفضيلة، وأن ينالوا التصفيق على خطبٍ لا يؤمنون بها، ودموعٍ لا يذرفونها إلا أمام الكاميرا.
هؤلاء هم الوباء الحقيقي…
الذين يقتلون الشرف باسم الشرف، ويكفرون بالأخلاق باسم الله.
فليت الفاسدين بقوا كما هم، عُراةً من الأقنعة، مفضوحين في وضح النهار…
فذلك أهون من مصلٍّ يختم دعاءه وهو يضع خنجره في ظهرك.
في النهاية،
ليس الفساد كارثة… الكارثة أن نُحبّ فاسدًا لأنه يُتقن التمثيل، ونكره شريفًا لأنه لا يُجيد المجاملة.
نعم
ما أصدق الفاسدين حين يختارون ألا يكذبوا علينا.
وما أجهلنا حين نُصفّق للفضيلة التي تُخفي الخيانة في جيبها!






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي