مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنينٌ خلف الأبواب

بقلم/ مريم زهران

 

في كل مرة أسمع فيها عن قصة عنفٍ دارت خلف أبواب مغلقة، أشعر بأن الوجع نفسه يتكرر، فقط بأسماء مختلفة.

 

كل بيت يروي حكاية، وبعض الحكايات لا تُقال إلا همسًا، لأن الجرح فيها لا يزال مفتوحًا.

 

العنف الأسري…

ليس حدثًا عابرًا، بل أثرٌ دائم.

يترك خلفه طفلًا مرتجفًا، امرأة صامتة، قلبًا مكسورًا، وروحًا لا تُشفى.

 

أكتب عن هذه القضية، لا لأنني خُضتها، بل لأنني سمعتُ أنينها في قصص من حولي، ولأن الصمت فيها لم يكن حكمة، بل خوفًا… وخجلًا… وربما قيدًا.

 

في هذا العالم، لا زلنا نُبرر العنف باسم التربية، نُبيح الإهانة باسم البيت أسرار، ونسكت عن الألم بحجة الناس كلها كده.

 

لكن لا…

ليست كل البيوت كذلك.

وليست كل القسوة تربية.

وليس كل صمتٍ فضيلة.

العنف لا يُقوّم، بل يُشوّه.

لا يُهذّب، بل يُربك، وأسوأ ما يفعله…

أنه يخلق داخل الإنسان صراعًا بين ما يشعر به وما يُجبر على تصديقه.

 

الطفل الذي يُهان في بيته،

يتعلم مبكرًا أن الحب مؤلم، وأن الحنان مشروط، وأن الأمان وهم.

والمرأة التي تُضرب في صمت،

تحفظ ألمها داخلها، وتصير خبيرة في إخفاء الوجع، حتى وهي تتكسر.

 

العنف ليس فقط ما يُرى، بل ما يُخزَّن في القلب، وما يُدفن في الذاكرة، وما يتوارثه الأبناء كوجع لا يُسمى.

 

من يتعرض للعنف، لا ينسى.

يظل يبحث طوال عمره عن معنى للدفء، عن بيتٍ لا يُهدده فيه صوت،

ولا يخيفه ظل، ولا تُغلق فيه الأبواب كالجحيم.

 

أكتب هذا لأن هذه القضية ليست نسائية فقط، ولا تخص الأطفال وحدهم، بل تمس جوهر ما نحن عليه كبشر، وأي مجتمع يسمح باستمرار العنف داخل الأسرة، هو مجتمع يهدم نفسه من الداخل… بهدوء، وببطء، لكن بثبات.

 

دعونا لا ننتظر أن تتحول الجريمة إلى خبر، أو أن يصير الألم منشورًا متأخرًا على صفحات التواصل.

 

فلننتبه الآن…

فلنُربِّ أبناءنا على الاحتواء، لا الخوف.

فلنُصحح مفاهيم القوة، والرجولة، والطاعة.

ولنحترم الإنسان داخل بيوتنا،

قبل أن نُطالب العالم أن يُقدّره.

 

في بيتٍ يُفترض أن يكون وطنًا،

لا يجب أن يكون الألم هو اللغة اليومية، ولا الصمت هو لغة النجاة.