بقلم: وهيبة جمال عبد الكريم
لا أنكر أن في داخلي شيئاً من الغضب وأنا أكتب عن هذه اللحظة؛ غضب لا يأتي من النتيجة المجرّدة وحدها، بل من الطريقة التي انتهى بها مشوار كان يمكن أن يُدار بشكل مختلف، أو على الأقل أن يُمنح فرصة أكبر ليفهمه القلب قبل العقل.
في كرة القدم، لا تُوجعك الخسارة دائماً بقدر ما تُوجعك الأسئلة الحائرة التي تبقى بعدها بلا إجابة واضحة. وهذا تحديداً ما أشعر به وأنا أسترجع مسار المنتخب الجزائري في تلك المرحلة، وما رافقه من تفاصيل لا يمكن تجاهلها بسهولة.
لقد جاء فلاديمير بيتكوفيتش لقيادة العارضة الفنية للمنتخب الجزائري محمّلاً بخبرة طويلة مع المنتخب السويسري امتدت من 2014 إلى 2021، وهي تجربة كان يُفترض أن تتحول إلى قوة إضافية ضاربة داخل مشروعه الجديد. غير أن بعض المشاهد جعلت السؤال مشروعاً وبشدة: هل استُثمرت تلك الخبرة بالشكل الذي يخدم الخضر فعلًا؟
أولاً: خبرة سويسرا… كنز لم يتحول إلى تفوق
من الناحية النظرية، لا يملك أي مدرب ذاكرة كروية أغنى من تلك التي يصنعها داخل منتخب قاده لسنوات طويلة في المواعيد الكبرى. بيتكوفيتش يعرف المدرسة السويسرية عن ظهر قلب؛ يعرف لاعبيها، ويعرف طريقة تفكيرها في المباريات الكبيرة، وكيف تُدار اللحظات الحاسمة تحت الضغط العالي.
لكن المشكلة الأساسية لم تكن يوماً في “المعرفة”، بل في آليات تحويلها إلى تأثير فعلي وملموس داخل مشروع جديد بخصوصية إفريقية وجزائرية. في كثير من اللحظات الحرجّة، بدا أن تلك الخبرة السويسرية بقيت حبيسة إطار “السيرة التدريبية” المكتوبة على الورق، أكثر من كونها أداة حية تتفاعل داخل تفاصيل المباراة وتغير مجرياتها.
ثانياً: الإقصاء أمام سويسرا… مفارقة ثقيلة
في الدور الـ 32 من معترك كأس العالم، انتهت رحلة المحاربين أمام المنتخب السويسري بالذات. والمفارقة الصادمة هنا ليست في الخسارة كأمر وارد في عالم المستديرة، بل في رمزية الخصم؛ ذلك الخصم الذي يعرفه مدربنا أكثر من أي فريق آخر في العالم.
هنا تحديداً يتولد إحساس مرير يصعب تجاهله: أن المعرفة العميقة بالخصم لم تتحول إلى أفضلية حاسمة في لحظة مصيرية كانت تحتاج إلى كل تفصيلة صغيرة تصنع الفارق وتمنح التأهل.
ثالثاً: لحظة ما بعد المباراة… ما بين الاحتراف والرمزية
ما زاد من ثقل هذه القراءة وسوداويتها ليس فقط الإقصاء المبكر، بل المشهد السينمائي الذي تلا صافرة النهاية مباشرة. فبينما كان لاعبو المنتخب الجزائري يعيشون صدمة ووقع الخروج المرير، بدا بيتكوفيتش متوجهاً بخطى ثابتة نحو لاعبي المنتخب السويسري، يبادلهم التحية والعناق بحرارة واضحة وكأنه يعود إلى مساحة دافئة ومألوفة من مسيرته السابقة، قبل أن يلتفت لاحقاً إلى فريقه المنكسر الذي غادر المنافسة.
قد يُفسَّر هذا السلوك في الأوساط الغربية باعتباره “احترافاً بحتاً” وروحاً رياضية، لكنه قُرئ عند الجزائريين كرمزية قاسية فتحت باب مقارنة شرسة في لحظة بالغة الحساسية.
رابعاً: بلماضي… نموذج مختلف في الانتماء اللحظي
في المقابل، تقدم تجربة الكوتش جمال بلماضي صورة مغايرة تماماً ومحفورة في الذاكرة الجماعية للجزائريين. نحن أمام مدرب لم يكن يعرف كيف يخفي انفعاله، لا في توهج الانتصار ولا في مرارة الهزيمة، بل كان يعيش المباراة بكل جوارحه كأنه أحد أبناء هذا الوطن في المدرجات.
في لحظات الانكسار، لم يكن المشهد عنده محايداً أو بارداً؛ بل كان واضحاً، حزيناً، وأحياناً دامعاً، كما لو أن النتيجة ليست مجرد رقم إداري بل وجع مشترك يسري في عروقه. هذا النوع من التفاعل والالتحام العاطفي لا يُقاس بمسائل الصواب والخطأ التكتيكي، لكنه يترك أثراً نفسياً عميقاً داخل روح الفريق واللاعبين لا يمكن لأي منظومة باردة تعويضه.
خامساً: بين الاحتراف والمسافة العاطفية
النموذج الأوروبي الكلاسيكي في التدريب يقوم غالباً على الفصل التام بين القرار والشعور، بين إدارة المباراة ميكانيكياً والانفعال بها إنسانياً. لكن في كرة القدم الخاصة بالمنتخبات والأوطان تحديداً، لا يكفي أن تُدار الدفة بعقل بارد وحسابات جافة، بل تحتاج أيضاً إلى نبض حي وشحنة معنوية يشعر بها اللاعبون داخل المستطيل الأخضر وخارجه لتتحرر طاقاتهم.
وهنا يظل السؤال الاستراتيجي قائماً: هل يكفي الاحتراف البارد وحده لصناعة منتخب يعيش بروح محاربة واحدة؟
خاتمة: بين ما يُقال وما يُفهم
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال كرة القدم المعقدة في لقطة عابرة، ولا في مصافحة بعد صافرة، ولا حتى في دمعة أو غيابها. لكنها في الوقت نفسه ليست مجرد خطط صماء مرسومة على الألواح التكتيكية، بل هي قرارات مصيرية تُتخذ في ثوانٍ حرجة، وتغيّر مسار أمم كروية كاملة.
ما بين المنتخب الجزائري في تلك الليلة المشهودة، وبين طريقة إدارة التفاصيل داخل المستطيل الأخضر، بقي سؤال يتردد بصمت ثقيل أكثر مما يُقال بصوت مرتفع: هل كان كل شيء يُدار بأقصى درجات التركيز والوضوح… أم أن بعض الخيارات لم تكن بالصرامة والكفاءة الكافية التي تفرضها حساسية المرحلة المونديالية؟
وفي مثل هذه المعارك الكبرى، لا تُكتب الحقيقة في النتيجة النهائية وحدها، بل كثيراً ما تختبئ في التفاصيل الصغيرة الدقيقة التي قد لا يلتفت إليها المشجع البسيط، لكنها تصنع الفارق الأكبر بين المجد والانكسار.
وبين مفاتيح سويسرا وأسرار الجزائر، يبقى السؤال مفتوحاً ومشرعاً أمام وعي القارئ وحده: هل وُضعت كل العناصر في مكانها الصحيح فعلًا… أم أن بعض الأبواب تُركت مواربة في لحظة كان ينبغي أن تُغلق بإحكام حديدي؟






المزيد
الأذى النفسي الصامت: حين تجرح الكلمات ولا تندمل الندوب
التفضيل الأبوي وصدمة الاستبعاد: قراءة نفسية في العنف الأسري
الجزائر… كنز سياحي ينتظر من يكتشفه