مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في حُبِّ العربيةِ وعشقِ الشعر بقلم : بلال حسان الحمداني

في حُبِّ العربيةِ وعشقِ الشعر
بقلم : بلال حسان الحمداني

لغتي وأفخرُ إذ بُليتُ بحبِّها .. فهي الجمالُ وأصلُها التبيانُ عربيةٌ لا شكَّ أنَّ بيانَها
مبتسمٌ في ثغرهِ القرآنُ

هذه اللغة التي هي هواءٌ مشاعٌ يتنفسه الجميع، ونقدٌ موحدٌ مطروحٌ في كل يد، اللغة التي تشبهنا في كل حال؛ إنها جزءٌ من شفاهنا، من حناجرنا، من كتبنا، من جرائدنا، من رسائلنا.. إنها اللغة التي نحبُّ بها، ونكره بها ونضحكُ بها، ونبكي بها، ونمشطُ شعر حبيباتنا بها؛ فهي المفتاح إلى قلب الحبيبة بكلمات اللغة العذبة التي تُغنَّى على مسامعها.

فالإنسان كائن يكتب، وحريص على أن يعبر عن ذاته تعبيراً ممتازاً، وأن يقدم نفسه في إطار نبيل. ومن رحم هذه اللغة ولد الشعر الذي صار علم قوم لم يكن لهم علم، وكان الشعر ديوانها المثقف لأخبارها وأيامها وحكمها وسائر ما خُصَّت به من فضائلها، وكان أشرف من كلامها المنثور وحكمها المأثور. قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}. فنقل لنا هذا الشعر عشق امرئ القيس، وحكمة زهير، وعنفوان طرفة، وبأس عنترة، وشجاعة عمرو، وهيام قيس وجميل وكُثَيّر، ورقة ابن أبي ربيعة، وحكمة المتنبي وفخره، وفروسية أبي فراس، وفلسفة أبي العلاء، وحب نزار، وأخلاق شوقي.

فمنذ أن دار هذا الكوكب المتحضر حول نفسه كان الشعر؛ أي منذ امتدت يد أول إنسان إلى أول زهرة برية ليحملها إلى الأنثى التي كانت تنتظره في مخبئه الحجري وليقول لها: “لم أصطد اليوم لطعامنا شيئاً، وإنما حملت لكِ هذا الكائن الجميل الذي وجدته مخبأً في شقوق صخرة؛ إنه يشبه انفتاح فمك يا حبيبتي”. هذه أول هدية جمال في تاريخ الهدايا، أول سطر في كتاب علم الجمال، أول حرف في ديوان الشعر. فلجأ الإنسان إلى الشعر، إلى النغم المسكوب، إلى الحرف الجميل والكلمة الأنيقة. ولنرى كيف تسيل حنجرة الشاعر بالشعر، لتروا كيف تشف الكلمة حتى لتكاد أن تطير؛ فلم يجد أجدى من الشعر في التقرب إلى محبوبته، وإلى الظفر بمنادمة الملوك، وإلى شحن همم المقاتلين وتحريك الجيوش وتصوير الأمجاد وكتابة التاريخ شعراً. وهناك على أستار الكعبة علقت المعلقات؛ مذ قول: “قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل”، إلى “أقفر من أهله ملحوب”.

فكل بذور الشعر التي حملتها لنا رياح الصحراء وأمواج البحار أخصبت في ترابنا وأعطت زهراً وورقاً. فالشعر هندسة حروف وأصوات نُعمّر بها نفوس الآخرين عالماً يشابه عالمنا الداخلي؛ فإذا كانت اللغة هي الحجارة التي نبني بها أفكارنا، فإن الشعر هو ذلك الفن الهندسي الذي يحول الحجارة إلى قصور؛ كقصور المناذرة والغساسنة وقصر سيف الدولة. فقد كان الشعر هو سيد القصور حين كان الشعراء يتزاحمون على أبواب القصور، كلٌّ يتمنى أن يحظى بمنادمة الملوك والرؤساء.

فالفن الشعري هو ذلك الساحر الذي يحول النحاس إلى ذهب، ويقلب التراب إلى ضوء. والشعر هو كلمة السر؛ من عرف متى يقولها وكيف يقولها استطاع أن يزحزح الصخرة المسحورة، ويصل إلى صناديق اللؤلؤ والمرجان، وإلى الحور المقصورات في الجنان. فالشعر يمد يده إلى الأشياء فيحييها، فأداة الشاعر هي الكلمة.

فالحجارة في أراضي الجزيرة كانت بقية أطلال بالية، فمرَّ الشعر العربي فكسى كل حجر غلالة شوق، وسقى كل ذرة رمل من حمرة جرح من شرايين: لخولة أطلال ببرقة ثهمد .. تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم .. يقولون لا تهلك أسى وتجلّد

فهكذا يحيى الحجر، وهكذا يكتسي ورقاً وبراعم، وهكذا يصبح التراب سماءً؛ فقدر القصيدة أن تفرز الجمال حيث حطت. وربما كان الشعر أكثر الفنون التي يحتاجها الإنسان؛ لأنه مشتبك بلحمه بفمه بحنجرته، ولأنه كذلك أتيح له أن يتقدم على كل الفنون الأخرى.

أما اليوم، وقد مرت آلاف السنين على أول قصيدة قيلت، ترى ماذا تغير؟ صرنا لا نتذوق جمال القصائد، ولا نشتم عبق عطرها الذي يتفتق عن ألف جمال، وهبطنا باللغة إلى ظلمات الضعف ومستنقع العامية. وأمست الركاكة تطغى على آثارنا الأدبية؛ ليست ركاكة لغتنا كلا، وإنما هي ركاكة لغات انتقلت عدوتها إلينا، صُنعت من لغاتهم فغدا الإنسان العربي يعاني من أزمة في لغته. ونتكلم بلغة تلعنها اللغة، ونرتضخ لكنة أعجمية، ونلوي لساننا بغير العربية وكأننا نخال ذلك ظرافة أو ملاحة أو إظهاراً لقدرتنا على العلم باللغات الأعجمية، ونفتخر إذا أقحمنا في حديثنا الكلمات الأجنبية. ورغم أن الواجب ألا نتكلم إلا بلغتنا، والأوجب أن نتعصب على كل لغة تزاحمها.

ولعَمري ليس الأمر كذلك؛ فالمقياس الصحيح لحضارة الشعوب هو محافظتها على لغتها والاعتزاز بها. فقد كانت اللغة العربية أول هدف للمستعمرين؛ فإذا انقطعنا من نسب لغتنا انقطعنا من نسب ماضينا، فما ذلت لغة شعب إلا ذل. وليس من أمة عزيزة الجانب تقدم لغة غيرها على لغة نفسها. ولكن رغم كل ما آل إليه حال العربية من إهمال وتهميش، فلا تصدقوا من يقول لكم إن اللغة ضاعت هويتها وغدت لغة قديمة ، وإن الشعر ضاعت قضيته وانتهى؛ فالشعر لا ينتهي إلا حين تنتهي الحياة على هذا الكوكب. وما دامت هناك ملاحم تُسطر وحكايات عشق تُكتب، وما دام هناك مشاوير لم تُمشَ ومواعيد لم تُعطَ، وما دام القلب قادراً أن ينبض بالحب.. فهيّا بنا نبني زمان لغة أجمل وأروع وحتى وإن نزفنا حروفنا، وأن نعانق جرحنا ونلثمه؛ فاللغة عافيتنا ومرضنا، مولدنا وموتنا.