مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في إيفرست الأدبية، نلتقي اليوم بصوت يجمع بين الشعر الذي يلامس الوجدان، والفكر الذي يطرح الأسئلة ويبحث خلف الظواهر. ضيفنا هذه المرة هو الكاتب والشاعر أحمد صلاح، صاحب القلم الذي لا يكتفي بالكتابة، بل يحاول دائمًا أن يسأل ويجادل ويعيد النظر.

حوار: ليمار وليد

 

وفي كتابه الأخير «اللامتخصص في فلسفة النفس البشرية»، يخوض أحمد صلاح تجربة مختلفة؛ فلا يقدم نفسه باعتباره متخصصًا أكاديميًا في الفلسفة، وإنما يطرح رؤيته من خلال تأملاته في الحياة اليومية، متناولًا الخوف والحب والوحدة والمعنى والنفس البشرية، بلغة تجمع بين الشاعر وفضول الإنسان الباحث عن إجابات.

 

 

 

■ مرحبًا بك في إيفرست، حيث نؤمن أن أعظم الأسئلة تأتي من اللامتخصصين.

• مرحبًا بكم. دائمًا أنتم مستعدون لاحتواء المتخصصين واللامتخصصين.

 

■ بدايةً، من هو أحمد صلاح الرفاعي بعيدًا عن كونه شاعرًا وكاتبًا؟ وكيف تصف الإنسان الذي يقف خلف الكلمات؟

• أحمد صلاح الرفاعي المتجرد من الألقاب هو من أكثر الناس صمتًا وتأملًا، وأكثرهم ثرثرة.

 

■ التناقض في إجابتك، هل دليل على أنك تتعامل مع شخصيات محددة بانفتاح، أم أن شخصيتك مزاجية؟

• إجابتك الثانية هي الأدق تمامًا. فأنا مزاجي إلى أبعد مدى، كما أنني حساس لأي مؤثر خارجي. ربما يدعي أحدهم أنها هشاشة نفسية، وهو على صواب. كما أنني برج الجوزاء، ملك المزاجية.

 

■ هل هذه المزاجية هي نفسها التي دفعتك إلى تأليف «اللامتخصص في فلسفة النفس البشرية»؟

• لا، فالكتاب كان وليد الصدفة، عندما اتهمني بعض المقربين مني بالفلسفة في حل المشكلات. وبصراحة تامة أحببت التهمة، ومنها استُلهمت أفكار الكتاب ورحلاته.

 

■ تؤكد في الكتاب أهمية الاحتواء ومنح الأبناء الثقة بدلًا من السيطرة. أين ينتهي الاحتواء ويبدأ التدليل؟

• هناك فرق شاسع بين الاحتواء والتدليل. الاحتواء هو القدرة على تصغير المشكلات والمساعدة في حلها، مع التوجيه ومنعها من التكرار والتفاقم، والدعم الدائم للأبناء ومساعدتهم على اتخاذ القرارات دون التدخل فيها.

أما التدليل فهو باختصار: «افعل ما شئت، فأنت العالم وما فيه».

 

■ وماذا عن الحرية؟ هل يمكن أن يؤدي الإفراط فيها إلى نتائج عكسية؟

• هنا يفتح السؤال بابًا آخر: عندما تسألينني عن الإفراط في الحرية، أسألك أنا: وهل للحرية قيود؟

الضوابط هي ميزان كل شيء، أما الحرية فهي قدرتي على فعل أي شيء، في أي وقت وبأي طريقة، لكن الدين والأخلاق والقيم والمبادئ والتربية هي التي تصنع الحدود لصاحبها، رغم قدرته على فعل ما يحلو له.

 

■ في حديثك عن الحب، فرّقت بين الحب الحقيقي والامتلاك والسيطرة. هل يمكن أن يكون هناك حب نقي تمامًا من الأنانية والاحتياج؟

• كل العلاقات الإنسانية قائمة بدورها على الاحتياج، والذي يرتبط بالضرورة بالأنانية، وتلك صفة أصيلة في الجنس البشري.

 

■ صدر لك ديوان «زعيم الغلابة» عام 2014. ماذا كان يعني لك هذا الديوان في تلك المرحلة من حياتك؟

• كان يعني أنني موجود، أنا أحد هؤلاء، رغم أنفي أنا.

 

■ هل أحمد الذي كتب «زعيم الغلابة» هو نفسه أحمد الذي يكتب اليوم، أم أن السنوات غيرته فكريًا وإنسانيًا؟

• كل يوم يمر على الإنسان يمنحه تجربة جديدة، ثم يكسبه نضجًا وخبرة. لذلك تتغير الطريقة والأفكار وحتى الآراء.

 

■ من خلال تجربتك، هل يستطيع الإنسان أن يفهم نفسه حقًا، أم أن داخل النفس البشرية دائمًا مناطق لا نصل إليها؟

• النفس البشرية هي الأكثر تعقيدًا على الإطلاق. فكلما ظننت أنك تفهم نفسك، فاعلم أنك في ضلال مبين.

 

■ قد تختلف الأنظار، وتبقى الفلسفة شيئًا يقع بين المنطق واللامنطق. من أين جاءت فكرة تسمية الكتاب «اللامتخصص في فلسفة النفس البشرية»؟

• من كوني غير متخصص في الفلسفة.

 

■ ومع ذلك كتبت عنها؟

• بالطبع، لأنها أصل العالم والعلوم.

 

■ ماذا يحدث للإنسان عندما يعيش طويلًا وهو يشعر بأنه غير مفهوم من أقرب الناس إليه؟

• إما أن يتخلى عن اختلافه ويحاول الاندماج مع الجميع، أو يختار العزلة.

 

■ لكن الإنسان بطبعه اجتماعي، ولا يستطيع العيش منعزلًا، وفي الوقت نفسه قد لا يستطيع العيش مع أشخاص مختلفين عنه فكريًا. ما رأيك؟

• الإنسان الذي يخالف طبيعته الاجتماعية وينعزل يعاني كثيرًا حتى يعتاد ذلك. ثم إنه إن تعب من عزلته وقرر الانخراط وسط المجتمع مرة أخرى، وجد أنه لا يزال غير مقبول باختلافه، فيرتد إلى عزلته مرة أخرى، وهكذا تسير حياته دواليك.

 

■ دعنا ننتقل إلى بدايتك. كيف اكتشفت موهبتك في الشعر؟

• أعتقد أنني الآن أحرز تقدمًا، بما أننا اتفقنا بعض الشيء.

كانت بدايتي وأنا طفل؛ كان القلم والورقة صديقيَّ المقربين. كنت أكتب كل ما يخطر ببالي، ولم يكن كلامًا مرتبًا، لكنه كان ذا معنى لديّ. ثم تحول إلى خواطر، ثم تحولت الخواطر إلى جمل مقفاة، ثم أصبح شعرًا كما أدعي.

 

■ هل وجدت دعمًا من أسرتك وأصدقائك في بداياتك، أم كانوا يرون الأمر مجرد تسلية؟

• في البداية لم أجد دعمًا قط، وكنت أواجه سخرية الجميع لمجرد أنني أكتب. حتى إنني في مرة ألقيت عليهم قصيدة ادعيت أنها لأحد كبار الشعراء، وكنت قد ألقيتها عليهم سابقًا فسخروا منها ومني. وعندما ادعيت أنها لشاعر كبير أثنوا عليها وعلى الشاعر، فانتصرت نفسي رغم تكسر مجاديفي.

لكن مع الوقت وتغير العقول، أصبحت أجد دعمًا معنويًا واسعًا في دائرتي المقربة.

 

■ قبل الختام، ما الفكرة الأساسية التي تتمنى أن يخرج بها القارئ بعد الانتهاء من «اللامتخصص في فلسفة النفس البشرية»؟

• أن يحطم أصنام عقله، ويدرك أنه لا حقيقة مطلقة في هذا العالم، وأن يستخدم العقل دائمًا، وألا يتوقف عن القراءة.

 

■ هل هناك شيء لم أتطرق إليه؟

• الشكر لكِ ولمجلة إيفرست. كفيتِ ووفيتِ.

 

وفي ختام الحوار، يكشف أحمد صلاح عن تجربة تجمع بين الشعر والفلسفة والتأمل في النفس البشرية، تجربة لا تبحث عن تقديم إجابات نهائية بقدر ما تحاول فتح أبواب جديدة للأسئلة.

وبين طفلٍ وجد في القلم والورقة صديقين، وشاعرٍ بدأ بالخواطر والجمل المقفاة، وكاتبٍ اختار أن يخوض غمار فلسفة النفس من موقع «اللامتخصص»، تستمر الرحلة حاملةً معها سؤالًا يبدو حاضرًا في تجربته كلها: هل نستطيع حقًا أن نفهم أنفسنا؟

وربما تكون الإجابة، كما يرى أحمد صلاح، ليست في الوصول إلى حقيقة نهائية، وإنما في ألا نتوقف عن السؤال والقراءة والتأمل.