مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قرية النوايا

كتبت ميمونة محمد محمود:

في مكان بعيد جدًا عن المدينة، توجد قرية ساحرة كانت تتميز بمناظرها الخلابة، وبناياتها الرائعة، وسهولها الخصبة، وجبالها الشاهقة، وكأنها من عالم الخيال لشدة جمالها الذي لا يُصدَّق.

ولكن كان هناك شيء غريب؛ سورٌ على شكل دائرة يحيط بالقرية بأكملها.

تقول الأسطورة إن جمال هذه القرية مرتبط بحُسن نوايا أهلها، ولكن، كما يقال: إنها مجرد أسطورة لا أساس لها من الصحة.

تعايش السكان هناك مدةً من الزمن في مودة ووئام. وكانت أجواء القرية عطرة بالحب، بعيدة كل البعد عن روائح النفاق والحسد والكراهية.

وفي يوم من الأيام، وبينما كان الجميع منشغلين بأعمالهم، نادى منادٍ:

— يا أهل القرية! لقد وجدت ذهبًا! ذهبًا! تعالوا وانظروا!

لم يصدق الناس ما قيل؛ فقد عاشوا سنوات طويلة في هذا المكان، ولم يروا فيه ذهبًا من قبل. ومع ذلك، تدافعوا نحو مصدر الصوت.

وعندما وصلوا، لم يصدقوا المنظر؛ فقد كان هناك الكثير من الذهب، يكفي أهل القرية جميعًا، بل يزيد عن حاجتهم.

أصابهم الذهول، وتقدموا نحو الذهب، وصار كل واحد منهم يريد أن يأخذ أكثر من الآخر.

صاح الرجل الذي وجد الذهب:

— ليس هكذا يا أهل القرية! غدًا نقسمه بيننا بالتساوي، ما رأيكم؟

لم تبدُ على وجوههم علامات الرضا، لكنهم وافقوه، ثم ذهبوا جميعًا إلى أعمالهم، إلا أنهم لم يعودوا بالحالة نفسها التي كانوا عليها من قبل.

انتهى النهار، وانتهت معه الأعمال.

وحلّ الليل، وأصبح كل واحد من أهل القرية يفكر في الذهب.

قال أحدهم في نفسه:

لماذا أقسمه مع الآخرين؟ أليس من الأفضل أن آخذ نصيبي الآن؟

وفكر آخر:

ربما يأخذ غيري أكثر مني!

وبدأت الأفكار تتزاحم في رؤوسهم، حتى خطرت لكل واحد منهم الفكرة نفسها:

لماذا لا أذهب في منتصف الليل، وآخذ ما أستطيع من الذهب قبل أن يقتسموه؟

وفي تمام منتصف الليل، خرج كل واحد منهم متسللًا بخفة، محاولًا ألا يصدر أي صوت.

وعندما وصلوا إلى مكان الذهب، كانت المفاجأة!

كان جميع أهل القرية هناك.

نظر بعضهم إلى بعض بدهشة، ثم بدأوا يتجادلون ويتشاجرون، وكل واحد منهم يريد أن يستأثر بأكبر قدر ممكن من الذهب.

وفي خضم تلك الفوضى، سمعوا صوتًا غريبًا:

طَق!

ثم تلاه صوت أقوى، وكأن جبلًا قد انهار.

توقف الجميع عن الشجار، وأخذوا يبحثون عن مصدر الصوت.

وفجأة، رأوا السور الدائري وقد بدأ يتشقق ويتحطم!

ساد الصمت والخوف بينهم.

وبعدها بدقائق، بدأ شيء عجيب يحدث…

اختفت بعض الأبنية أمام أعينهم، ثم بدأت الجبال والسهول الجميلة تتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى اختفى كل ذلك الجمال الساحر في غمضة عين.

نظروا نحو الذهب، فإذا به أيضًا قد اختفى!

في تلك اللحظة أصابهم الفزع،والهلع فقد أصبحت القرية التي كانت يومًا أجمل مكان في العالم، مكانًا خاليًا لا حياة فيه.

وفجأة صدر صوت من مكان مجهول، وقال:

— هذا جزاؤكم. كنتم تعيشون في نعيم، ولم يكن ينقصكم شيء، ولكن حب المال والطمع غلب عليكم. لقد ظننتم أن الذهب هو مصدر سعادتكم، ونسيتُم أن ما جعل قريتكم جميلة هو المحبة وحُسن النوايا.

— حاسبوا أنفسكم، وتعلموا أن النعمة لا تدوم إذا أفسد الإنسان قلبه بالطمع والحسد والكراهية.

نظر أهل القرية إلى بعضهم، وقد أدركوا خطأهم.

وتذكروا أيامهم الأولى، حين كانوا يعيشون متحابين متعاونين، لا يهمهم شيء ولايفكر أي أحد منهم فى مثل هذه الأفعال المشينه.

وفي صباح اليوم التالي، بدأوا بإصلاح ما أفسدته الأنانية، ومدّ كل واحد منهم يده للآخر، وعادت بينهم روح التعاون والمحبة.

ومع مرور الأيام، بدأ شيء عجيب يحدث…

ظهر أول منزل من جديد.

ثم عادت السهول خضراء، وبدأت الجبال تستعيد جمالها، وعاد السور الدائري إلى مكانه.

عندها فهم أهل القرية الحقيقة التي لم يصدقوها من قبل:

لم تكن الأسطورة أسطورةً قط.

فجمال القرية لم يكن في ذهبها، ولا في أبنيتها، ولا في جبالها…

بل كان في قلوب أهلها.

وهكذا يا أحبائي انتهت القصة.

ولكن يجب عليكم أن تعلموا أن كنوز الدنيا كلها لا تجلب السعادة الحقيقية، وأن الحب وفعل الخير من أجمل الأشياء التي يمكن للإنسان أن يمتلكها.

فلا تجعلوا الطمع والحسد يفسدان قلوبكم، واعلموا أن المحبة والأخوة والتعاون كنوز لا تُقدَّر بثمن.