كتبت عبير إبراهيم:
هناك لحظة فارقة في الحياة لا تعود بعدها الأشياء كما كانت أبداً، لحظة يتوقف فيها العالم عن الدوران لتسقط كل الأقنعة وتنكشف حقيقة الصمود الذي مارسناه لسنين طويلة، لم أكن أعلم أن المطبخ الصغير الذي يعبق برائحة التوابل سيكون مسرحاً لأولى انكساراتي، ولا أن الصداع العابر الذي أطفئ أنينه ببعض الأقراص المسكنة ليس إلا بذور رياحٍ عاتية جاءت لتقلع جذوري.
الحياة لم تكن يومًا سهلة قط بل كانت الضربات تتوالى فوق صفحة وجهي، فقد كُتب علي قدرًا لا مفر منه، ومع كل ضربة كنتُ أتماسك وأحاول أن أستعيد وقوفي، غير أن تلك الضربة الأخيرة كسرت ما تبقى في داخلي فأصبحتُ أترنح بعد أن فقدتُ كل سند لي، كنتُ أرى الأبواب تُغلق واحدًا تلو الآخر والطرقات تضيق أمامي، حتى خُيل إلي أن النهاية باتت أقرب من أي بداية وأنني أسير وحدي في نفقٍ معتمٍ لا ضوء في نهايته.
في أحد الأيام كنتُ أقف في وسط المطبخ الذي يعج بشتى أواني الطهي والصحون الملطخة ببقايا الطعام، أعقدُ حول خصري مريول المطبخ لأحمي ثيابي وشرعتُ في التنظيف بعناية فائقة، انتهيتُ بعد مرور وقت ليس بقليل وأنا أشعرُ بإنهاك شديد لا أعلم سببه؛ فغسل الأواني لم يُنهكني يومًا إلى هذا الحد الذي يجعل ضربات قلبي تتواثب خلف بعضها، بل أصبحت هذه الخفقات تُلازمني حتى وأنا مستلقية.
تحاملتُ على ذاتي وشرعتُ في رص الأطباق فوق المائدة المستديرة التي تتوسط ساحة منزلي الصغير استعدادًا لقدوم زوجي من عمله، وقبل أن أتحرك عائدةً إلى المطبخ لإحضار باقي الطعام، استهل زوجي الباب بقامته الممشوقة ألقى علي تحية مقتضبه وذهب ليغتسل ويبدل ملابسه، التفتت بعدها أسرتي الصغيرة حول المائدة، ومر اليوم علينا سريعًا عابرًا دون جديد يُذكر ولكنه لم يخْلُ من تلك الآلام التي بدأت تتسلل إلى جسدي منذ فترة ليست بالقصيرة، اعتبرتها أمرًا عارضًا وكنتُ أُسكت أنينها ببعض المسكنات، فقد ظننت ببساطة عقلي ومحدودية علمي أنها مجرد إنهاكٍ بدني من فرط العمل، ولم يتسلل إلى عقلي يومًا أنها بداية الرياح الطاغية التي ستُطيح بي.
أُعرفكم بذاتي الضعيفة أنا أُدعى “ليلى” امرأة في ريعان شبابها، خطوتُ بقدمي أعتاب عقدي الثالث منذ أشهر قائلائل، يُقال لي دائمًا إنني أمتلك وجهًا بشوشًا تتناسق معالمه بتناغمٍ يُغري من يراه بإعمال النظر فيه، أنا أم لصغيرتين تُشبهانني إلى حدٍ كبير، أكبرهما في السادسة من عمرها والأخرى تصغرها بعامين.
عُرفتُ بين أقاربي بمهارتي في إعداد الطعام الجيد الذي ينال استحسان ورضا الجميع، لما يتسم به من نظافة وحُسن ترتيب فاتخذتُ منه مهنة تُساعدني على تلبية احتياجات صغيرتي، فالفتات الذي يلقي به زوجي في مطلع كل شهر لا يكفي حتى لتلبية ضروريات الحياة الصعبة التي تشتد وتضيق خناقها كل يوم.
تحدثتُ معه كثيرًا لكي يبحث عن عملٍ آخر يوفر لنا دخلًا أكبر، أو أن يجمع بين وظيفتين، فهو الأب والمعيل والمسؤول الأول عن توفير الاستقرار والحماية لأسرتِه، عليه أن يسعى بكل ما أُوتي من جهدٍ لتأمين حياة كريمة لابنتيه مهما كانت الظروف، وأن يكون مثالًا للتضحية والمثابرة، وطالما أنه لا يملك حس المسؤولية ما كان له أن يُقدم على الزواج ولا أن يُنجب أطفالًا ليُلقي بهم في أتون حياةٍ صعبةٍ ومريرةٍ لا ذنب لهم فيها، ولكنه في كل مرة كان يُحول الحديث إلى شجار لا نهاية له وينعتني بالمتطلعة التي لا تتحمل ظروف زوجها وأنني غير أصيلة، فكنت أخبره إذا كان في استطاعة المرء تحسين دخله فلمَ لا؟ وما العيب وقلة الأصل في طلب ذلك؟ العيب كل العيب على من لا يعمل بالشكل الكافي ولا يبذل الجهد اللازم لتوفير احتياجات أسرته، ولكن الكلمات لم تكن تُثمر أثرًا معه.
ومع عدم رغبتي في الطلاق حبًّا بزوجي رغم كل السوء الذي ألقاه منه -فهو الذي اختاره قلبي العاصي ليكون شريك عمري- ولأنني أريد لطفلتي أن تعيشا تحت كنف والدهما، ورفضي التام فكرة جلب زوج أمٍ لهما، تابعتُ حياتي كما هي ورضيتُ بقدر الله ورحتُ أفتش عن عملٍ يناسبني، ومع تدني شهادتي وصغر سن ابنتي لم يكن أمامي غير الطبخ لأكتسب منه قوتًا حلالًا.
أستيقظ مع بزوغ الشمس في مطلع كل صباح لأبدأ في إعداد المأكولات المختلفة التي تُطلب مني عبر حسابي على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أغدق الله علي من واسع فضله فلقي طعامي إقبالًا واسعًا حتى بت أكتسب منه المال الوفير.
كان المساء قد أرخى ستائره قاتمة السواد على البيت، والهدوء يخيم على أرجائه إلا من أصوات فتياتي في الغرفة المجاورة، تتداخل ضحكاتهن المتقطعة مع طنين الألم الذي ينهش صدري، شعرتُ بثقلٍ يجثم على أنفاسي فمددتُ يدي المرتجفة نحو الدرج الصغير بجانب الفراش، أخرجتُ منه المسكن المعتاد وتناولتُ قرصين دفعة واحدة، أغمضتُ عيني للحظات أقاوم ذاك الوجع المتأصل في كل عصب.
لم تمضِ دقائق قليلة حتى انفتح الباب معلنًا عن عودة زوجي “حسام” إلى المنزل، كان التعب باديًا على وجهه، فألقى بحقيبته جانبًا وجلس صامتًا يحمل فوق كتفيه أثقال يومه، تركته لبعض الوقت ليستعيد أنفاسه، ثم اقتربتُ منه وقلتُ بحذر:
_حسام المصروفات تزداد وأنا لم أعد أستطيع تدبير كل شيء وحدي، جسدي بات منهكًا ولا أقوى على تحمل كل هذا العمل في إعداد الطعام، أحتاج أن تساعدني في مصروفات المنزل.
رفع عينيه إلي بهدوء، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها منطقية:
_لكنني لم أتوقف عن الإنفاق وراتبي يكفينا على قدر إمكاناتي، أنتِ التي اخترتِ أن تعملي وأنا لا أقصر في شيء، البيت يسير والبنات لا ينقصهن شيء ضروري، وأنا أعمل طوال اليوم وأوفر ما أستطيع، ولا أرى داعيًا لأن أُرهق نفسي أكثر من ذلك ما دمنا قادرين على تدبير أمورنا.
نظرتُ إليه في صمت للحظات، أحاول أن أجد في كلماته ما يطمئنني إلى أنه يفهم ما أقصده، ثم قلتُ بهدوء يخفي وراءه تعبًا أثقل من أن تحمله الكلمات:
_أنا لا أطلب منك أن تُرهق نفسك يا حسام ولا أريد حياة تتجاوز قدرتنا، لكن البيت والبنات مسؤوليتنا نحن الاثنين، وحين بدأتُ العمل لم أتوقع أن أتحمل وحدي ما يفوق طاقتي لمجرد أنني استطعتُ أن أكسب بعض المال، أنا أعمل لأنني أردتُ أن أساعدك لا لأن المسؤولية أصبحت مسؤوليتي وحدي.
تنهد بضيق، ثم قال وهو يشيح بنظره عني:
_وأنا لا أطلب منكِ أن تتحملي فوق طاقتك لكنكِ تكسبين جيدًا الآن، ويمكننا أن نستمر بالطريقة نفسها بدل أن أبحث عن عمل آخر أو أحمل نفسي فوق ما أستطيع. ما دامت الأمور تسير، فلماذا نُعقدها؟
شعرتُ بأن كلماته تزيد الإرهاق الذي ينهشني بدلًا من أن تخففه، فقلتُ وأنا أحاول أن أتمسك بهدوئي:
_لأن الأمور لا تسير كما تظن يا حسام، إنها تسير لأنني أستنزف نفسي حتى لا تتوقف، أنت ترى المال الذي يدخل إلى البيت، لكنك لا ترى الساعات التي أقضيها واقفةً في المطبخ، ولا جسدي الذي لم يعد يحتمل، ولا التعب الذي أحمله معي حتى إلى فراشي.
عقد ذراعيه أمام صدره وقال بنبرة دفاعية:
_لم أقل إنكِ لا تتعبين لكنكِ أنتِ من اخترتِ هذا العمل، وأنا لم أجبركِ عليه، تستطيعين أن تتركيه إذا كان فوق طاقتك.
حدقتُ فيه غير مصدقة، ثم قلتُ بصوت خافت اختلط فيه الألم بالخذلان:
_أتركه؟ وماذا نفعل حينها؟ نعود إلى ما كنا عليه قبل أن أبدأ العمل؟ وهل ستكفينا أموالك وحدها لكل ما تحتاجه الأسرة؟
صمت لحظة، ثم أجاب بثبات:
_نستطيع أن نعيش بها، فأنا لا أريد أن أعيش طوال عمري ألهث خلف المال والعمل الإضافي، لدي عملي وأعود إلى البيت متعبًا وأوفر احتياجاتكم الأساسية، ولا أرى أن علي أن أحمل نفسي أكثر من ذلك.
تجمد بصري فوق صفحة وجهه، وقطبتُ ما بين حاجبي وأنا أحاول استيعاب منطقه، ثم قلتُ بمرارة:
_لكنك لا تفهم أنني أنا أيضًا متعبة، والفرق أنك ترى تعبك سببًا كافيًا للراحة، بينما ترى قدرتي على الاحتمال سببًا كافيًا لأن أواصل.
لم يجبني، فاكتفيتُ بالنظر إليه لحظات قبل أن أتابع بصوت بدأ يرتجف:
_أنا لا أطلب منك مالًا لأشتري شيئًا لنفسي، ولا أريد منك أن توفر لنا حياة مترفة، أنا أطلب منك أن تحمل معي جزءًا من الحمل الذي حملته وحدي، لأنني لم أعد أقوى على حمله كله.
ظل صامتًا، فشعرتُ أن صمته لم يكن إلا إصرارًا آخر على موقفه، فارتفع صوتي دون أن أشعر:
_أخبرني، ما الغاية من العيش معك تحت سقف هذا البيت إذا كنت لا ترى أن مسؤوليتنا مسؤوليتك أيضًا؟ لقد عملتُ لكي يتحسن وضعنا، لكنني وجدتك تترك الأمور تمضي كما هي ما دمتُ قادرة على سد ما ينقص، أنت لا ترى أنني أستنزف نفسي وكل ما تراه أنني ما زلت قادرة على الاستمرار.
رفع رأسه إلي وقال بحدة لم تخلُ من الضيق محاولًا إنهاء الحديث:
_ليلى كفى، لا أريد أن يتحول الأمر إلى شجار كل مرة نتحدث فيها عن المال، إن كنتِ ترين أن الحياة معي لم تعد تناسبكِ، فغادري، لكن لا تطلبي مني أن أكون شخصًا آخر، أنا لن أتغير ولن أبحث عن عمل آخر وكفاكِ هذه الدراما، لستِ المرأة الأولى ولا الأخيرة التي تعمل وتتحمل المسؤولية مع زوجها.
سكتُّ لحظة وأنا أشعر بشيء ينكسر داخلي عند كلماته، وتعلقت عيناي بملامحه التي أحببتها يومًا بكل ما في قلبي، ثم خرجت الكلمات من بين شفتي كآخر ما تبقى لدي من قدرة على الاحتمال:
_كيف… كيف تتفوه بهذه الكلمات بكل هذه البساطة؟!
توقف تدفق كلماتي فبتُ لا أقوى على إخراجها مرت لحظات صامتة ثقيلة وأنا مذهولة، وحديثه يدور في داخل عقلي دون استيعاب أناظرُه بعينين شاخصتين تتجمع فيهما دموع لا تهطل ولا تتراجع، حتي بددت صرختي ذلك الصمت بانهيار يملؤه اليأس:
_لم أعد أستطيع… صدقني لم أعد أستطيع متابعة هذه الحياة مع شخص أناني وغير مسؤول مثلك.
أنهيتُ كلماتي فعم الصمت الموحش من جديد، وعشى الشحوب وجهي وفاضت حدقتاي بدمعٍ ساخن يحرق وجنتي، وهاجمني الألم يضرب بعنف كل جزءٍ في جسدي وانتفضت نبضات قلبي تتواثب خلف بعضها في سباق لا محصلة له، شعرتُ بالوهن وبدأ رأسي يدور وأصبحتُ أرى وجه زوجي بصعوبة شديدة، لتُسدل مقلتاي ستائرهما قاتمة السواد على حين غرة وأسقط ليرتطم جسدي بالأرض وأنفصل عن الواقع المرير.
علمتُ بعدما عاد إلي وعيي أن زوجي حاول إفاقتي بأكثر من طريقة، فلما لم أستجب طلب سيارة إسعاف نقلتني إلى المستشفى، كنتُ أتسطح فوق فراش ناصع البياض، مقلتاي تحدقان بسقف الغرفة بشرود قبل إغماضهما بألم يتعاظم بداخلي، لكن طرقات خفيفة فوق الباب دفعتني لأفتح جفوني وأنظر إلى الباب في انتظار القادم، دلف الطبيب برفقة زوجي فحص حالتي ثُم استقام أمامي وهو يقول بصوت تغلفه الجدية بعد أن عقد كفيه:
_الحمد لله على سلامتكِ سيدتي، سأشرح لكِ حالتكِ فعندما وصلتِ إلى الطوارئ كانت نبضات قلبكِ تبلغ مئة وثلاثًا وثلاثين نبضة في الدقيقة، أجرينَا تخطيطًا للقلب و…
قاطعتُ كلامه بعجلة وأنا أبتلع غصة أحرقت حلقي:
_هل أعاني من خللٍ في القلب؟ هل أحلتِ العلةُ بفؤادي ونال السقمُ من قلبي؟
رد الطبيب موضحًا:
_اطمئني، الفحوصات تؤكد أن قلبكِ سليم تمامًا.
حمدتُ الله كثيرًا، وأكمل الطبيب بوقار خالطته مسحة أسى:
_ولكن… فحوصات الدم تُشير إلى أن الهيموجلوبين منخفض، وخلايا الدم البيضاء قليلة جدًا دون معدلها الطبيعي، وفيتامين ب12 ليس بمعدله الطبيعي أيضًا، تم عرض حالتكِ على اختصاصي الدم الذي أشار بضرورة أخذ عينةٍ من النخاع العظمي لفحصها.
اضطربتُ وأخذ القلق يقتات على رأسي، فتساءلتُ بنبرات مرتعشة:
_من فضلك أخبرني مما أعاني؟ ما الذي يتكهن به الأطباء؟
أجاب الطبيب ونبراته يُغلفها الإشفاق:
_هناك اشتباه بـ… سرطان الدم، لكن أريدكِ ألا تفزعي دعينَا لا نستبق الأحداث، نستعد أولًا لأخذ العينة وبعدها سنعرف يقينًا ما كينونة هذه الأعراض.
وقعت كلماته على مسامعي كطنين جرس إنذار يعجُّ برأسي عجًا، اهتز كياني وتحجر الدمع في عيني فعلقت قطرةٍ منه بأهدابي، ليردف الطبيب الشاب برأفة وهو يمليني التعليمات:
_ستَبقين هنا تحت المراقبة الطبية حتى يتم أخذ العينة، ويتوجب عليكِ ارتداء قناعٍ طبي لتجنب التعرض لأي عدوى.
ارتجفت شفتاي بأسى فلم تقوَ الكلمات على مغادرة حلقي، وتحررت دموعي الساخنة، لم يسكن تفكيري حينها سوى سؤال واحد ردد عقلي بضجيجه:
“صغيرتاي… كيف ستعيشان بدوني؟ من سيهتم بهما ويرعاهما بعد فراقي؟”
مرت أيام لتهيئني الممرضات لمرارة ذلك الموعد العصيب الذي سُيقتطع فيه جزءٌ من نخاعي لفحصه لتحديد نوع اللوكيميا ومدى انتشارها، بدا لي الأمر كمن يضع نفسه على قارعة طريق لا رجعة منه، كانت تلك اللحظة أولى محطات المعاناة، تم فحص العينة، وأظهرت النتائج أنني مصابة بسرطان الدم، وأن حالتي تستدعي البدء بالعلاج في أسرع وقت، حُولتُ إلى مستشفى متخصص، وشرح لي الطبيب المعالج الخطة العلاجية وآثارها الجانبية، مؤكدًا أهمية حالتي النفسية وقدرتي على الصمود خلال رحلة العلاج.
مضت الأيام في المستشفى ثقيلة كدهور أصارعها بمفردي، الوحدة تلفني من كل جانب، لا زائر يُخفف وحشتها ولا صوت مألوف يطرد الكآبة، لم أكن أسمح لشقيقتي بالبقاء معي لا لأنني لا أحتاجها، بل لأنني لا أود أن أكون عبئًا إضافيًا يثقل كاهل أحد، لم أملك من حطام الدنيا سوى أختي ويكفيها أنها ترعى الفتاتين في غيابي، حتى زوجي لم يكن يزورني إلا على استحياء وكل حديثه لا يتجاوز كلماتٍ معدودة:
_كيف حالكِ اليوم؟ هل تحتاجين شيئًا؟
ثم يسرع بالمغادرة وكأن البقاء قربي يخنقه، كثيراً ما هجر النوم جفوني فكنت أفتح هاتفي وأقلب في صور صغيرتي، أرى في كل صورة جزءًا من نفسي الماضية، ضحكاتهن، فساتينهن، وعناقهن لي، أضع الهاتف فوق الفراش وأرفع كفي أُناجي ربي بيقين ثابت ودموع تنهمر دون هوادة:
_يا رب… أعطني العمر ليس لأنني أخاف الموت، بل لأن ما ينهش فؤادي هو ترك صغيرتي في هذا العالم وحيدتين، سأتحمل اختبارك بصبر ولكن اكتب لي الحياة إلى جوارهما.
أكتفي بالنوم وأنا أحتضن الهاتف، في الصباح جاء “حسام” وقد بدا القلق مرسومًا فوق وجهه، ولم يُحسن إخفاء ضيقه، جلس إلى جانبي وتساءل:
_هل قال الطبيب أي شيء جديد؟
أجبته بنبرة منخفضة هشة:
_قال إن الأمر خطير، وأن العلاج سيستغرق شهورًا طويلة.
نظر إلي متوترًا وعبس بضيق قائلاً:
_شهور؟ وكيف سنتدبر أمر المال خلال كل هذه الشهور؟ التكاليف باهظة جدًا ولا نقوى على تتحملها.
انقبض صدري وسيطرت الغصة على حلقي، تطلعتُ إليه بدهشة وأنا أتمعن النظر في ملامحه التي كنتُ أحبها بجنون، لكنني الآن لا أجد فيها سوى الغربة، قلتُ بصوت هش من هول الصدمة:
_أنا أحتضر… وأنت لا تفكر سوى بالمال؟
هز “حسام” رأسه نافيًا، محاولًا التدارك فتثاقلت العبارات في حلقه:
_أنا لا أقصد ذلك كل ما يُرهقني أن نعجز عن إكمال العلاج بسبب المال.. أخشى أن أفقدكِ لعجزي وضعفي المادي.
ارتجف قلبي تحت وطأة كلماته وابتلعتُ غصة مريرة قبل أن يعلو صوتي بنبرة مكسورة:
_تعلم ما يُخيفني حقًا؟ ليس الألم ولا العجز عن تلقي العلاج، بل أن أترك بناتي وحدهن أعلم أنك قد تتزوج، لكن من سيحتضنهن حين يبكين ليلًا؟ من سيسهر بجانبهن ويربت على رؤوسهن إن مرضن؟ من سيمشط شعرهن ويساعدهن في ارتداء زيهن كل صباح؟ من سيستقبلهن بحب؟
مسح وجهه بكفه وموه عن ضيقه محاولًا تلطيف الجو:
_لا تتحدثي عن الموت، ما زال الأمل بالله قائمًا أن يشفيكِ.
مر الوقت ثقيلًا قبل أن يُغادر “حسام”، وتوالت الأيام تزحف ببطء شديد حتى اكتشف الأطباء إصابتي بسرطان في الكبد… لم يعلم أحد بالأمر حتى زوجي لم أخبره، مرت أسابيع أشد ألمًا حتى ظهرت مؤشرات لاشتباه بسرطان المريء يصاحبه قيء مستعصٍ لم يفارقني منذ أربعة أشهر، حتى إنني عجزتُ عن الاحتفاظ بأي طعام في جوفي، ولا أستطيع تناول شيء سوى رشفة ماء أو عصير.
في مساء ليلة ذات برودة معتدلة استلقيتُ فوق الفراش الأبيض أتدثر بغطائي، الأضواء خافتة والهدوء يلف الغرفة إلا من صوت جهاز المراقبة ونبضات قلبي المتباطئة، كنتُ محاطةً بجيش من الأسئلة التي تتغذى على رأسي كما يفعل المرض بجسدي، أنهيتُ صلاتي وشرعتُ في الدعاء وأنا أبكي بكاءً مريرًا:
_يا رب، إن كنت قد كتبت لي الموت فاجعلني أذهب إليك خفيفة بلا غضب، بلا خوف على صغيرتي وبلا ألم لا أقوى على احتماله، وإن كنت قد كتبت لي الحياة فامنحني القوة لأحياها دون ألم.
كان الألم الجسدي القاسي يتضاءل أمام ألم الروح حين أنظر إلى صور ابنتي، وفي ظهيرة يوم مشمس، جاءت أختي في زيارة قصيرة وأحضرت معها الطفلتين، بمجرد دخولهما الغرفة هرعَتا إلى سريري، أمسكت “فرح” بيدي وصعدت “ياسمين” إلى جواري تعانقني بنفس الدفء، وقالت بصوتها الطفولي:
_أمي، قولي لله أن يشفيكِ… لا نريدكِ أن تموتي وتفارقينا.
تساقطت الدموع على وجهي الذابل، وشهقتُ بالبكاء عاجزة عن إعطائهما وعدًا بالبقاء لا أملك تحقيقه، في الأيام التالية تضاعفت حدة الألم حتى صرتُ لا أستطيع الذهاب إلى الحمام وحدي، جرعات المسكنات لم تعد تُسكن الوجع بل تحولت إلى مهدئات تنقلني من وعي موجع إلى غيبوبة مرهقة، في بعض الأحيان كنتُ أتناول جرعات زائدة عمدًا… لا رغبة في الموت بل هروبًا من هذا العذاب الصامت.
فكرتُ مرارًا في الهروب أن أغادر المستشفى ولا أعود، أن أختبئ في مكان لا يعرفه أحد حتى يأتيني الموت وحدي، كان يدور في ذهني سؤال لا يكف عن الطنين: “ماذا لو اختفيت؟ لو رحلتُ دون وداع ولا جنازة ولا نواح، ألن يكون ذلك أهون عليهن من مشاهدة موتي بطيئًا؟”
لكن كلما راودني هذا الخيال أتذكر عينَي ابنتي وصوت “ياسمين” وهي تقول: “أمي لا نريدكِ أن تموتي، لا نريدكِ أن تسكني السماء، أبقي إلى جوارنا”.
كنتُ أنهار حين يتردد هذا الصوت في ذاكرتي، وأكره نفسي حين أصرخ في وجوههن من شدة الألم أو أدفعهن بعيدًا لأبكي وحدي، أُحدث نفسي دائمًا: “أنني أم سيئة” وكل ما أرجوه أن أترك خلفي حبًا لا وجعًا.
في أحد الأيام وأثناء خروجي من جلسة العلاج، شعرتُ باختناق شديد وضيق في صدري لم ألفه من قبل ظننتُه الإرهاق المعتاد، لكن فجأة شعرتُ بخفقان مرعب وشيء يطوق قلبي ويمنع الهواء من الدخول، يتصبب مني عَرقٌ بارد، وبدأت يدي اليمنى بالارتجاف، انفلتت مني صرخة وسقطتُ من فوق الكرسي.
هرعت الممرضات وجاء الطبيب فورًا يفحص نبضي وضغطي ليصرخ بفتور وهلع:
_أزمة قلبية جهزوا المحلول وجهاز الصدمات أسرعوا.
كانت هذه آخر كلمات تسللت إلى أذني قبل أن تُسدل جفوني، أحسستُ بجسدي يغرق في بحر بارد، ثم لا شيء.. ظلام، سكوت، وراحة غريبة لم أعرفها منذ أشهر.
رأيتُ نفسي أسير في طريق طويل مفروش بالرمل الدافئ، والمكان يطوقه سكونٌ يبعث على الطمأنينة، أركض وأقفز كالأطفال، ثم تردد في أذني صوت أبي يناديني التفتُ فوجدته كما أتذكره بثوبه الأبيض وابتسامته الطيبة، ركضتُ نحوه ليستقبلني بين ذراعيه، وسرنا معًا وهو يُحكم قبضته على كفي.
استعدتُ وعيي بعد ساعات، كنتُ موصولة بجهاز مراقبة القلب وقناع الأكسجين يغطي وجهي، أول ما وقع عليه نظري كان زوجي جالسًا قرب الفراش، وجهه شاحب وعيناه مليئتان بالذعر، ما إن رآني فتحتُ عيني حتى اقترب مني فهمستُ بصوت ضعيف:
_أنا… أنا لم أمت.
أومأ برأسه والدموع في عينيه وقال وهو يربت على رأسي:
_نعم… الحمد لله، أنقذوكِ في اللحظة الأخيرة.
أغمضتُ عيني مجددًا وقلت بصوت أقرب للرجاء:
_اريدك أن تعاهدني إن متُّ أن تُحافظ على ابنتي، وقل لهما إن أمهما كانت تحبهما أكثر من ذاتها، وإنني لم أصرخ في وجهيهما يومًا إلا من الألم لا من الكره… أرجوك لا تجعلهما تكرهان ذكراي، أوعدني ألا تتركهما ولا تجعل غريبة تُربيهما.
وضع كفه فوق كفي المرتجفتين وقال بصوت مكسور:
_لا داعي لهذا الكلام، أنتِ من ستُربينهن وتهتمين بهن.
قلتُ بصراخ يختنق بالبكاء:
_هذا ليس حقيقيًا أعلم أن الوقت لم يعد يتسع، وأنني سأفارقكم عما قريب… أرجوك عاهِدني.
اخترقت كلماتي صدره قبل أن تبلغ سمعه، حدق في وجهي المبلل بالدموع يتناوب على ملامحه الوجع والعجز، ثم مد يده بتردد وقال بصوت مبحوح:
_أعدكِ.. والله أعدكِ.
كنتُ أشعر باقتراب النهاية في كل شيء حولي، نظرات الأطباء المملوءة بالتعاطف، حديثهم الهامس ونبض قلبي الذي صار يحسب الوقت بالأنفاس المتبقية، صمت الممرات بدا كوداع مؤجلًا لم أعد أفكر بالعلاج، بل بدأتُ أفكر في ما تبقى من وقت.
منذ أن عاد إلي الوعي أصبحتُ أكثر هدوءًا وأكثر حبًا، لم أعد أصرخ في بناتي حين يتشاجرن أثناء الزيارة، بل أحتضنهن بصمت وأحكي لهن الحكايات حتى تنامان بجواري فوق الفراش تبدأ كل حكاية بـ:
“كان يا مكان، كانت هناك أم تُدعى ليلى، تحب ابنتيها بحجم السماء… وتنتهي بصمت خانق”
أرسُم على أيديهن وأكتب أسماءهن بخط مرتعش رغم الألم، وأقبلهن كثيرًا.
جلستُ في أوسط فراشي أحمل دفترًا وقلمًا أتتني بهما شقيقتي، وبدأتُ أكتب بخطٍ مرتعش:
“إلى ياسمين وفرح، نور فؤادي وسكينة روحي… أمكما تُحبكما أكثر من الحياة، أكثر من ذاتها، إن قرأتما هذه الكلمات فحينها أكون قد فارقتُ الحياة، ولكني لن أفارقكما يومًا، سأكون دائمًا إلى جواركما في دعواتي التي سترافقكما، وفي الحكايات التي كانت تُقال قبل النوم، وفي رائحة الطعام الذي كنتُ أعده لكما بحب، سامحاني إن كنتُ قاسية أحيانًا، فقد كان الوجع لا يُطاق… لا تمحياني من ذاكرتكما، واجعلاني دائمًا حية في قلبيكما.”
جلست “ياسمين” -فتاة شابة في أوائل عقدها الثاني- على الأرض بجوار الفراش، تضع فوق قدميها دفترًا صغيرًا بغلافٍ وردي باهت يحمل آثار، تلك هي مذكرات والدتها التي بدأت تكتبها بخطٍ متعرج منذ أن أيقنت بالنهاية.
قرأت “ياسمين” كل صفحة بتمعن، تمسح دموعها وتتخيل كلمات والدتها بصوتها… وفجأة توقفت السطور المتتابعة، صفحات بيضاء خالية، لا نهاية متبوع، بدأت تقلب الصفحات بسرعة تبحث عن الحروف الضائعة، حتى وجدت ورقة جديدة كُتبت بخط مختلف، أقوى لكنه متردد… عرفت أنه خط والدها واصلت القراءة بعينين ضبابيتين أثر الدموع:
“في صبيحة يوم خافت الإضاءة وبارد الهواء، هدأ فيه ضجيج المستشفى، كانت “ليلى” تستلقي فوق فراشها عيناها نصف مغلقتين وتنفسها يتصاعد بصعوبة، اشتد عليها الألم فجأة كأن هناك انفجارًا صامتًا في صدرها، تبعه ثقل ورجفة سرت في جسدها. راقبتها من خلف زجاج الغرفة وأنا أدعو الله أن يبقيها إلى جوارنا.
دخلت الممرضة فزِعة حين لاحظت تباطؤ الأجهزة وصرخت تطلب الطبيب، جاء الأطباء وتصاعدت الأصوات بينما “ليلى” تغرق ببطء في الظلام، شعرتُ بخفقات قلبي تتواثب رعبًا ودموعي تنساب على وجنتي… ارتسمت على ثغرها ابتسامة وداع، وانسابت دمعة أخيرة، وفي هدوء أغلقت عينيها للمرة الأخيرة ليصدر الجهاز نغمة طويلة أعلنت توقف قلبها.
أحضرا جهاز الصدمات، صعقة… ثانية… ثالثة… لا استجابة، خيمت بردة الموت على المكان، وأغلق الطبيب الجهاز وهو يقول بصوت منخفض: “سجلوا ساعة الوفاة، الخامسة وأربع وعشرون دقيقة صباحًا”.
لم أكن أعلم أنني سأكتب نهاية حكايتكِ بيدي يا ليلى… لم أظن أن صمتكِ سيعلمني كيف أصرخ داخلي بندمٍ لا يهدأ، لقد كنتِ النور في بيتٍ ضاق علينا بفقره وضيقته أنا أكثر بقسوتي وانعدام مسؤوليتي، لم أكن أرى تعبكِ، والآن لا يمر يوم دون أن أستيقظ وأنا أبحث عنكِ أعاتب نفسي وأكرهها.
ابنتانا بخير، وأنا أحاول أن أكون لهما الأب والأم والحضن والسند… أعدكِ يا ليلى لن أضيع الأمانة، وسأزرع في قلبي ذكراكِ لتظل حية في كل ضحكة، سامحيني على عمرٍ لم أعرف فيه قيمتكِ إلا حين غابت شمس وجهكِ فأظلمت حياتي.”
أغلقت “ياسمين” الدفتر وضمته إلى صدرها وهي تشعر تحتضن أمها، ثم نظرت إلى السماء من الشرفة وابتسمت من وسط دموعها وهتفت بحنين:
_وحشتينا كثيرًا يا أمي… لكنكِ ستبقين حية بداخلنا إلى آخر العمر.
في ظهيرة يوم دافئ، علت الضحكات من غرفة الجلوس، “فرح” و”ياسمين” تجلسان على الأريكة أمام التلفاز ووالدهما يجلس بينهما يشاركهما الضحك. السنوات التي مرت غيرت ملامحه لم يعد ذلك الرجل المتجهم، بل صار أبًا حنونًا دافئ النظرة يدرك كل تفاصيل حياة طفلتيه، رفع رأسه ونظر إلى صورةٍ معلقةٍ على الجدار تُظهِر “ليلى” وهي تبتسم بخجل، أطال النظر في قسمات وجهها البشوشة وتمتم في ثنايا روحه:
_اللهم ارحمها كما كانت رحيمة بنا، واجعل قبرها نورًا، واجمعني بها يومًا لا يعقبه فراق.
ثم التفت لبناته واحتضنهن معًا، وفي قلبه حنينٌ لا ينطفئ وحب صادق نما من بعد الغياب.






المزيد
قرية النوايا
الساكنُ الأول
Offering Workshops on Spinyoo Preservation and Gardening: A Detailed Review of SpinSlots Casino