نُبلُ الغُفران
نحنُ أولئك الذين حين ينكسرُ الودُّ بيننا وبين من أحببنا لا نُشهرُ سيوفَ العتاب ولا نُقيمُ للخِصامِ في قلوبنا مملكة بل ننحني على مواضع الجرح نُرمّم ما استطاعت أيدينا أن تُرمّمه ثم نمضي كأنّ المحبة خُلقت لتُصلح ما أفسدته الأيام
لا نحمل الضغينة في أعيننا؛ فالنبلُ أرفعُ من أن يُدنّسَ عتبته حقدٌ عابر والقلوبُ التي تربّت على الصفح لا تُجيدُ حملَ الأحقاد طويلًا
وحين تتباعدُ الطرق وتختارُ الحياة لكلٍّ منا جهةً لا تشبه جهة الآخر تبقى الدعوةُ الطيبة سرًّا جميلاً لا يموت تبقى كعطرِ الياسمين لا يُرى لكنّه يظلّ عالقًا في الذاكرة حتى بعد أن تغيبَ الخطى وتخفتَ الأصوات
لم نصرخ كثيرًا فالكلمات التي كان ينبغي أن تُفصح كانت شيئًا أعمق من الكلام
كان بيننا حُسنُ الخُلُق
وكانت كرامةُ الروح
أغنى من كلّ حديث
وأبلغ من كلّ اعتذار
أما الكلمةُ البيضاء
فهي طائرٌ وديع
إذا حلّق في فضاءِ القلوب
آثر أن يحطّ على الأغصان التي لا تؤذي
وأما الأذى
فريحٌ عاتية تأتي في عتمة الليل
لا تعرف إلا اقتلاع ما تطاله
وتتغذّى من وجع القلوب كلما أثقلتها الخيبة
وقد تعلّمتُ العفوَ من النخلة
تلك التي تُلقى إليها الحجارة
فتردُّها تمرًا
وتعلّمتُ أن أصحاب القلوب النبيلة لا تكدّرهم العواصف بل يصبحون كلما مرّت بهم السنون أكثر صفاءً كأنّ الألم لم يزدهم إلا نقاءً
لذلك اخترتُ صمتَ الكرامة
لا لأنني لا أملك الكلام بل لأنني أملك من النبل ما يجعل بعض الكلام أصغر من أن يُقال
اخترتُ أن أترك للزمن ما لا أستطيع إصلاحه وأن أترك للسماء ما عجزتُ عن فهمه وأن أحمل في قلبي دعاءً لا يعرفه أحد
فبعضُ الجراح لا تحتاج إلى انتقام بل إلى قلبٍ واسع يتجاوزها
وبعضُ الراحلين لا نحتاج أن نكرههم كي ننسى وجعهم
يكفي أن نحبّهم من بعيد ثم نتركهم لرحمة الله
فالقلوب التي أحبّت بصدق مهما أوجعها الفراق ينتهي بها الطريق إلى الغفران فالتسامح ليس ضعفًا فهو آخرُ مراتب النبل
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر






المزيد
اليقين بقلم : أميرة محمد عبدالرحيم
حين تهون قيمتي، يهون عليَّ الرحيل بقلم: ابن الصعيد الهواري
اجعل فرحتك سرًّا بينك وبين الله بقلم: ابن الصعيد الهواري