مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ذاكرة الخوف بقلم هاني الميهي

الفصل الرابع
بقلم الكاتب هاني الميهي
ذاكرة الخوف

وجع خفي

لم تكن النفس تخاف دائمًا من الأشياء التي حدثت.

أحيانًا كانت تخاف من الأشياء التي يمكن أن تحدث.

وهذا فرق صغير في الظاهر، لكنه كان يكفي ليغيّر طريقة عيش الإنسان كلها.

فالحدث ينتهي حين ينتهي.

أما احتمال تكراره، فقد يبقى مفتوحًا لسنوات.

كانت النفس تعرف ذلك من التفاصيل التي لا يلاحظها أحد.

من يدٍ تمتد إلى مقبض الباب ثم تتردد.

من رسالة تُكتب ولا تُرسل.

من علاقة تبدأ جميلة، ثم يظهر فيها أول اختلاف، فيتغير شيء في الداخل أسرع مما يستحق الموقف.

لم يكن الخلاف كبيرًا.

لكن النفس لم تكن ترى الخلاف وحده.

كانت ترى ما يشبهه.

وكان التشابه، أحيانًا، أخطر من الحقيقة.

—

في بداية كل علاقة جديدة، تكون الأشياء خفيفة.

حديث طويل.

اهتمام.

ضحكة تأتي بسهولة.

رسائل لا تحتاج إلى تفكير.

خطط صغيرة للمستقبل.

وكانت النفس تراقب كل ذلك من بعيد، دون أن تتدخل.

ثم يحدث موقف بسيط.

يتأخر رد.

يتغير موعد.

تأتي جملة بنبرة مختلفة.

ولا يحدث شيء في الخارج.

لكن شيئًا في الداخل يتحرك.

كأن يدًا قديمة فتحت درجًا مغلقًا.

تخرج منه صورة لا تخص اللحظة الحالية، لكنها تشبهها.

وهنا لا يعود الإنسان يتعامل مع ما يحدث فقط.

يتعامل أيضًا مع ما يتذكره.

—

كانت النفس تعرف أن الخوف لا يحتاج إلى دليل كامل.

يكفيه تشابه صغير.

تأخر الرسالة يشبه تأخرًا قديمًا.

البرود يشبه برودًا سبق الرحيل.

الاختلاف يشبه بداية خلاف انتهى ذات يوم بفقد.

فتبدأ النفس في الاستعداد.

ليس لما يحدث.

بل لما تتوقع أن يحدث بعده.

وهنا تتغير أشياء كثيرة دون أن يطلب أحد تغييرها.

تقل الأسئلة.

يزداد الحذر.

تُراقب التفاصيل.

ويبدأ الإنسان في اختبار الآخر دون أن يخبره أنه يختبره.

يترك مساحة.

ينتظر.

يراقب هل سيقترب أم لا.

ثم يقترب قليلًا.

ثم يتراجع.

وكأن القلب يمشي في أرض سبق أن احترقت.

—

كانت النفس ترى هذا التردد كثيرًا.

خطوة إلى الأمام.

خطوتان إلى الخلف.

كلمة حميمية، ثم مسافة.

ثقة، ثم مراجعة.

احتياج، ثم إنكار.

وكأن الإنسان يريد أن يعيش التجربة الجديدة، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يضمن أنها لن تؤلمه.

وهذا الضمان لم يكن موجودًا.

لا في العلاقات.

ولا في العمل.

ولا في الحياة نفسها.

فلا أحد يستطيع أن يدخل تجربة جديدة ومعه تعهد بأنها لن تشبه القديمة في شيء.

لكن النفس التي تألمت من التكرار كانت تريد ذلك التعهد.

كانت تريد يقينًا لا تمنحه الحياة.

—

في العمل، قد يظهر الخوف بالطريقة نفسها.

موظف تعرض في الماضي للوم أمام الآخرين.

بعد سنوات، يدخل اجتماعًا جديدًا.

يُطلب منه عرض النتائج.

الأرقام واضحة.

العمل جيد.

لكن النفس لا تنسى تلك الغرفة القديمة.

ذلك الصوت.

ذلك الشعور حين أصبح الخطأ أكبر من حجمه لأن الجميع كان ينظر.

ومنذ ذلك اليوم، صار كل عرض بالنسبة إليه امتحانًا إضافيًا.

يراجع الملف أكثر من مرة.

يتأكد من كل رقم.

يعيد الجملة قبل قولها.

يتوقع الأسئلة التي لم تُطرح بعد.

وقد يراه الآخرون شديد الدقة.

وربما هو كذلك.

لكن النفس تعرف أن بعض الدقة ليست حبًا للكمال.

إنها محاولة قديمة لتجنب الإحراج.

—

وهنا يصبح الماضي حاضرًا بطريقة لا تشبه الذكرى.

لا يأتي على هيئة مشهد واضح.

يأتي على هيئة سلوك.

وهذه كانت إحدى أكثر الطرق غموضًا التي يعمل بها الوجع.

أن يختفي الحدث، وتبقى طريقته في التأثير.

قد ينسى الإنسان متى بدأ يخاف من الفشل.

لكنه يتذكر دائمًا أن النجاح لا يكفيه.

قد لا يعرف متى أصبح شديد الحذر في العلاقات.

لكنه يعرف أنه لا يطمئن بسهولة.

قد لا يتذكر أول مرة شعر فيها أنه عبء على أحد.

لكنه منذ سنوات لا يطلب شيئًا إلا بعد أن يتأكد أن طلبه لن يزعج أحدًا.

والنفس لا تحتاج إلى تاريخ دقيق.

يكفيها أن ترى الأثر.

—

أحيانًا كان الخوف يسبق الحزن.

قبل أن يحب الإنسان، يخاف أن يخسر.

قبل أن يثق، يفكر في الخذلان.

قبل أن يفرح، يتوقع النهاية.

وقبل أن يصل إلى المكان، يتخيل كيف يمكن أن يغادره.

كان يعيش اللحظة، لكن جزءًا منه كان يقف دائمًا عند باب الخروج.

وهذا الجزء لم يكن شريرًا.

كان حارسًا قديمًا.

تعلم مهمته من تجربة سابقة.

لكن الحارس الذي لا يعرف أن الحرب انتهت، قد يمنع أهل البيت من النوم.

—

كانت النفس تعرف أن الحذر في بدايته نعمة.

فهو يجعل الإنسان منتبهًا.

يعلمه أن يقرأ المواقف.

أن يضع الحدود.

أن لا يمنح ثقته بلا وعي.

لكن الحذر حين يتجاوز مكانه، يتحول إلى شيء آخر.

يصبح جدارًا.

والجدار لا يفرق دائمًا بين من جاء ليؤذي ومن جاء ليقترب.

كل من يقترب يصبح احتمالًا.

وكل احتمال يصبح خطرًا.

وهكذا يمكن للخوف من تكرار الألم أن يمنع الإنسان من تجربة شيء لم يحدث بعد.

—

في مساء هادئ، جاء اتصال.

كان الصوت في الطرف الآخر طبيعيًا.

السؤال بسيط.

لكن النفس التقطت تغيرًا صغيرًا.

لم يكن هناك تغير حقيقي ربما.

مجرد اختلاف في الإيقاع.

لكنها بدأت تعمل.

تراجع الإنسان في داخله.

سأل نفسه:

هل هناك شيء؟

لم يسأل الطرف الآخر.

اكتفى بالمراقبة.

ثم أنهى المكالمة.

وبقي الهاتف في يده.

بدأت الاحتمالات.

ربما تضايق.

ربما تغير.

ربما هناك شيء لا يريد قوله.

ربما ستنتهي العلاقة.

كل ذلك حدث في دقائق.

لم يحدث شيء في الخارج.

لكن الداخل كان قد قطع مسافة طويلة.

—

كانت النفس تعرف هذا النوع من الألم.

ألم أن تعيش النهاية قبل بدايتها.

أن تحزن على شيء لم تفقده.

أن تبتعد عن شخص لم يطلب منك الرحيل.

أن تضع الحواجز أمام باب لم يأتِ منه أحد ليؤذيك.

وأن تفسد اللحظة الحالية دفاعًا عن نفسك من لحظة قد لا تأتي.

كان الإنسان يظن أنه بذلك يحمي قلبه.

لكن القلب لم يكن يعرف دائمًا الفرق بين الحماية والسجن.

—

ومع ذلك، لم تكن النفس تلومه.

فالذي تكرر عليه الألم قد يحتاج إلى وقت حتى يصدق أن التكرار ليس قانونًا.

وأن الشخص الجديد ليس الشخص القديم.

وأن المكان الجديد ليس المكان القديم.

وأن الحياة لا تعيد المشهد نفسه لمجرد أنها استخدمت بعض التفاصيل المتشابهة.

لكن النفس كانت تحتاج إلى شيء آخر.

كانت تحتاج إلى أن تتعلم النظر.

لا إلى التشابه فقط.

بل إلى الاختلاف أيضًا.

وهذا أصعب.

لأن الخوف يرى ما يؤكده.

أما الطمأنينة فتحتاج إلى وقت كي تثبت نفسها.

—

مرّت أيام.

ثم أسابيع.

وظل الشخص الذي كان يخشاه الإنسان موجودًا.

لم يرحل.

لم يستخدم ضعفه ضده.

لم يحوّل اعترافاته إلى أسلحة.

كلما أخطأ، اعتذر.

كلما اختلف، تحدث.

وكلما شعر الآخر بالخوف، لم يسخر منه.

كانت النفس تراقب.

شيئًا فشيئًا، بدأ الحارس القديم يخفض يده.

ليس تمامًا.

فالألم لا يغادر بأمر.

لكنه لم يعد يقف أمام كل باب.

وهذه كانت بداية مختلفة.

—

فالنفس لا تشفى دائمًا حين تنسى.

أحيانًا تشفى حين ترى الشيء القديم يحدث أمامها بطريقة جديدة.

حين تتوقع الخذلان ولا يأتي.

حين تقول «لا» ولا تخسر.

حين تطلب ولا تُهان.

حين تخطئ ولا تُسحق.

حين تختلف ولا تُترك.

حين تتكلم ولا يتحول كلامها إلى دليل ضدها.

هناك، تبدأ الذاكرة في إعادة ترتيب نفسها.

لا تمحو الماضي.

لكنها تتوقف عن استخدامه وحده لتفسير الحاضر.

—

وكانت تلك واحدة من أكثر اللحظات هدوءًا في رحلة النفس.

أن تكتشف أن ما حدث كان حقيقيًا.

وأن الألم كان حقيقيًا.

لكن الخوف من تكراره ليس حقيقة جديدة.

إنه مجرد احتمال.

والاحتمال لا ينبغي أن يُعامل دائمًا كأنه حدث.

عندها فقط، بدأت النفس تترك بعض الأبواب مفتوحة.

ليس لأنها أصبحت بلا خوف.

بل لأنها لم تعد تسمح للخوف أن يكون الشخص الوحيد الذي يملك مفاتيحها.

—

وفي مكان ما داخل الإنسان، ظل شيء قديم جالسًا.

لم يختفِ.

لم يُطرد.

كان فقط أقل صوتًا.

ينظر إلى الحياة الجديدة بحذر.

لكن الحياة لم تعد مضطرة إلى إثبات براءتها كل يوم.

كان يكفي أن تمر الأيام دون أن يحدث ما كان يخشاه.

يومًا بعد يوم.

موقفًا بعد موقف.

حتى تفهم النفس أن بعض المخاوف لا تحتاج إلى معركة كي تتراجع.

تحتاج فقط إلى تجربة جديدة لا تشبه القديمة.

فالألم الذي بقي طويلًا لم يكن يطلب أن يُنسى.

كان يطلب فقط ألا يُمنح سلطة اختيار القادم.

وكان هذا هو الفارق بين أن تحمل الذاكرة…

وأن تعيش داخلها.