مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تختار الكتابةُ صاحبَها

حوار: ولاء خلف

في عالم الأدب وإبراز المواهب، نجد بين السطور المفقودة روناء عبد الله، التي تختفي بعملها الثاني، وهي ما زالت لم تخض المرحلة الجامعية. وعن الكلمة والتأثر والتأثير، تتحدث الكاتبة عن مقتطفات من رحلتها التي لم تبدأ منذ يوم، ولكن بدأت عندما كانت تلاحقها الكلمات لتتجمع بين يديها، ومن ثم تتحول إلى إبداع يصل إلينا.

هل أنتِ من اخترتِ الكتابة، أم أن الكتابة هي التي اختارتكِ؟

أظن أن الكتابة هي التي اختارتني قبل أن أختارها، وجدت نفسي أعود إليها كلما ازدحمت بداخلي الأفكار والمشاعر، ومع الوقت أصبحت الكتابة بالنسبة لي أكثر من هواية، أصبحت وسيلة أعبر بها عن نفسي وأترك من خلالها أثرًا.

 

هل عالمكِ الخيالي هو البذرة الأولى لتقديمكِ في عالم الأدب؟

بالتأكيد، فالخيال كان دائمًا مساحة واسعة من خلالها أرى الأشياء بصورة مختلفة، لكنه لم يكن وحده كافيًا. القراءة والملاحظة وتجارب الحياة جميعها كانت بذورًا ساعدتني على تكوين عالمي الأدبي.

 

«بين السطور المفقودة»؛ ما الذي تفقده روناء في حياتها وتبحث عنه بين السطور؟

لا أعتقد أنني كنت أبحث عن شيء واحد بعينه، بل كنت أبحث عن فهم أعمق لمشاعر الإنسان وتناقضاته. «بين السطور المفقودة» محاولة للبحث عن الأشياء التي نعجز أحيانًا عن قولها بصوتٍ واضح، فنجدها مختبئة بين السطور.

 

هل قبح العالم يجعل الإنسان يفرّ إلى عالم الخيال ويبدع؟

أحيانًا نعم، فالخيال قد يكون ملاذًا حين يصبح الواقع قاسيًا، لكنه بالنسبة لي ليس هروبًا من العالم بقدر ما هو طريقة أخرى لفهمه وإعادة النظر إليه بصورة مختلفة.

 

ما الذي ترينه في الوسط الأدبي ولا يعجبكِ؟

ما لا يعجبني هو أن تتحول المنافسة أحيانًا من منافسة في جودة الكتابة إلى منافسة في الظهور والانتشار. أتمنى أن يظل معيار الكاتب الحقيقي هو ما يقدمه من قيمة وأثر، لا مقدار الضجيج المحيط به.

 

من خلال احتكاككِ بالوسط الأدبي وحضوركِ في أكثر من محفل أدبي، ما الأسباب الحقيقية وراء تدنّي مستوى الأدب في رأيكِ؟

أرى أن من أهم أسباب ضعف الأدب ضعف القراءة، والاستعجال في النشر قبل نضج التجربة، وأحيانًا الاهتمام بالانتشار أكثر من الاهتمام باللغة والفكرة. كما أن الكاتب يحتاج إلى نقد صادق يساعده في التطور، لا مجرد كلمات المديح.

 

ما أصعب شيء ممكن أن يواجه الكاتب؟

أصعب ما قد يواجهه الكاتب في رأيي هو أن يفقد صوته الخاص، فيبدأ بالكتابة لإرضاء الآخرين بدلًا من أن يكتب ما يؤمن به. ومن الصعب أيضًا أن يتقبل النقد، لكن الكاتب الذي يريد أن يتطور يجب أن يعرف كيف يستفيد منه.

 

هل يستطيع الكاتب تغيير شيء؟ أو أن يقدم منفعة للمجتمع وأفراده؟

نعم، فالكتابة قد لا تغيّر العالم دفعة واحدة، لكنها تستطيع أن تغيّر إنسانًا واحدًا، وهذا في حد ذاته تغيير حقيقي. قد تمنح قارئًا فكرة، أو تجعله يعيد التفكير في موقف، أو تمنحه شعورًا بأنه ليس وحده.

 

ما الحلم الأكبر لدى الكاتب؟

أعتقد أن الحلم الأكبر ليس مجرد أن يُعرف اسمه، بل أن تصبح كلماته قادرة على الوصول إلى الناس والبقاء في ذاكرتهم. وحلمي أن أكتب أعمالًا صادقة تصل إلى القارئ وتترك أثرًا طيبًا يستمر حتى بعد انتهاء القراءة.

 

ماذا تتمنين أن يبقى من كتاباتكِ في ذاكرة القارئ، بعد أن يطوي صفحاتها؟

أتمنى أن يبقى الشعور والفكرة والأثر. أن يغلق القارئ الكتاب، لكنه يحمل معه شيئًا مما قرأه؛ فكرة جعلته يفكر، أو شعورًا جعله يفهم نفسه أكثر، أو كلمة منحته أملًا. بالنسبة لي، بقاء الأثر أجمل من بقاء الاسم.

 

في عملكِ القادم، اخترتِ كتابة الرواية التي تحمل عنوان «ذاكرة ليست لي». لماذا اتجهتِ إلى كتابة الرواية؟ وماذا يعني اسم الرواية؟

اتجهت إلى كتابة الرواية لأنني أردتُ أن أخوض مساحة مختلفة تمامًا عن الكتابة التي قدمتُها من قبل، مساحة تسمح لي ببناء عالم متكامل تتداخل فيه الأحداث والذكريات والأسئلة، ويظل القارئ في حالة بحث دائم عن الحقيقة.

أما عنوان «ذاكرة ليست لي» فهو يحمل جوهر فكرة الرواية، فليس كل ما نتذكره بالضرورة يخصنا، وليس كل ما نصدقه حدث كما ظنناه. الرواية تضع بطلتها أمام ذكريات تبدو مألوفة، لكنها تحمل شيئًا غريبًا يجعلها تتساءل: إن كانت ذاكرتي تخبرني بحقيقة، فلماذا أشعر أنها ليست لي؟ ومن هنا تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة التي ستكشف أن أخطر ما يمكن أن يفقده الإنسان ليس ذاكرته، بل ثقته فيما يتذكره.

 

وبين الفكرة والشعور والكلمة، تواصل روناء عبد الله رحلتها في عالم الأدب، حاملةً حلمًا بسيطًا: أن تصل كلماتها إلى القارئ وتترك بصمتها. وربما لا تزال الرحلة في بدايتها، لكن بعض البدايات تحمل في سطورها ما يستحق أن يُقرأ.