مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

فنّ التجاهل

بقلم الدكتورة إسلام محمد استشاريه الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وعضوة بمنظمه حقوق الإنسان المصريه وصاحبه كتابي(البحث عن الذات و كتاب طوظ)

يُعَدّ فنّ التجاهل من أرقى المهارات النفسية التي يمكن للإنسان أن يتقنها، فهو ليس ضعفًا ولا هروبًا من المواجهة كما يظن البعض، بل هو وعيٌ عميقٌ بقيمة الذات، وإدراكٌ حقيقي لما يستحق أن نمنحه اهتمامنا وما لا يستحق. فالحياة أقصر من أن تُستنزَف طاقتنا في كل كلمة عابرة، أو تصرّف عشوائي، أو رأي لا يضيف إلينا شيئًا سوى الضيق والتشتّت.

التجاهل الواعي هو اختيار، اختيار أن تحمي سلامك النفسي من الضوضاء، وأن تصون طاقتك من الاستنزاف. هو أن تدرك أن الرد ليس دائمًا قوة، وأن الصمت في بعض المواقف أبلغ من ألف كلمة. فليس كل استفزاز يستحق الرد، وليس كل نقد يستحق التبرير، وليس كل جدال يستحق أن نخوضه. بعض المعارك، وربما أغلبها، نكسبها حين ننسحب منها بهدوء.

وفنّ التجاهل لا يعني إنكار المشاعر أو كبتها، بل يعني التعامل معها بنضج. أن تشعر بالغضب، ثم تختار ألا تمنحه قيادة تصرّفاتك. أن تتألم، لكن لا تسمح للألم أن يحدّد قيمتك أو يشوّه صورتك عن نفسك. فالتجاهل هنا يصبح علاجًا، ومساحة للتعافي، وحدًّا صحيًا بينك وبين ما يؤذيك.

وفي العلاقات الإنسانية، يُعدّ التجاهل أحيانًا رسالة واضحة دون كلمات. رسالة مفادها: “أنا أقدّر نفسي أكثر من أن أنخرط في سلوكيات تجرّني إلى ما لا يليق بي”. فبعض الأشخاص يتغذّون على ردود الأفعال، ويستمدّون وجودهم من إثارة الجدل واستفزاز الآخرين. وهنا يكون التجاهل هو السلاح الأذكى، لأنه يطفئ نارهم ويعيد لك توازنك.

كما أن فنّ التجاهل يعلّمنا ترتيب الأولويات؛ أن نميّز بين ما هو مهم وما هو هامشي، بين من يستحق القرب ومن يجب أن يبقى على مسافة آمنة. هو دعوة صريحة للاهتمام بالنفس، وبالأحلام، وبالنمو الداخلي، بدلًا من إهدار الوقت في مراقبة الآخرين أو الانشغال بما يقولون ويفعلون.

في النهاية، من يتقن فنّ التجاهل يعيش أخفّ روحًا، وأكثر هدوءًا، وأقرب إلى السلام الداخلي. يدرك أن راحته النفسية ليست قابلة للتفاوض، وأنه ليس مُطالبًا بإرضاء الجميع أو تفسير كل تصرّف. فالتجاهل حين يكون في موضعه، يصبح حكمة، ويصبح فنًّا من فنون العيش بسلام.