بقلم: داليا فرج الطواب
لو سألتَ أحداً اليوم عن حاله، فغالباً لن تسمع إجابة تقليدية مثل “بخير” أو “الحمد لله” فحسب، بل ستتبعها فوراً عبارة: “والله مفيش دقيقة راحة، مطحون في الشغل والمسؤوليات”. لقد تحول “الانشغال الدائم” في مجتمعاتنا المعاصرة من ضريبة للعمل إلى “وسام فخر” يُعلق على الصدور؛ فإذا كنتَ متعباً ومجهداً وتركض طوال الوقت، فأنتَ بالضرورة شخص “مهم”، “مطلوب”، و”ناجح اجتماعيًا”. أما إذا قلتَ إنك تقضي وقتاً في الهدوء أو لا تفعل شيئاً، فقد تُتهم بالكسل أو بقلة الطموح، وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُقاس بمدى استنزافه الجسدي والنفسي، لا بمدى جودة ما يقدمه أو عمق أثره.
إننا نعيش في ظل “ثقافة الطحن” التي تروج لأن النوم هو للضعفاء، وأن الاستراحة هي مضيعة للوقت. هذا الضغط الجماعي جعلنا نشعر بـ “ذنب الراحة”؛ فبمجرد أن نجلس لنستريح، يبدأ صوت داخلي في تأنيبنا: “هناك كتاب لم يُقرأ، مقال لم يُكتب، أو مهمة منزلية مؤجلة”. لقد فقدنا القدرة على “الفصل”، وأصبحنا نعتبر الإرهاق دليلاً على أننا نقوم بواجبنا على أكمل وجه تجاه عائلاتنا وأعمالنا. والحقيقة المرة هي أن هذا الإرهاق الذي نحمله كدرع شرف، هو في الحقيقة “استنزاف” يسرق منا القدرة على الإبداع والاستمتاع بثماره؛ فالروح المنهكة لا تستطيع أن تدهش، والعقل المتعب لا يملك رفاهية التأمل.
علاوة على ذلك، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تلميع صورة “المعاناة الأنيقة”؛ فنحن ننشر صور فناجين القهوة في ساعات الفجر الأولى مع عبارات عن السهر والعمل الجاد، ونفتخر بالهالات السوداء تحت أعيننا بوصفها “ضريبة الطموح”. لقد أصبح الإرهاق “ماركة مسجلة” للناجحين، بينما الحقيقة أن النجاح الحقيقي يجب أن يتضمن القدرة على إدارة الذات وحماية السلام النفسي. إننا بحاجة إلى ثورة استرداد لـ “حقنا في الهدوء”، وأن ندرك أن التوقف لبرهة ليس انسحاباً، بل هو استجماع للقوة؛ فالآلة التي تعمل دون توقف تحترق في النهاية، والإنسان الذي ينسى كيف يرتاح ينسى في الطريق كيف يعيش.
في نهاية المطاف، يجب أن نتوقف عن تمجيد التعب ونبدأ في تقدير “التوازن”. القيمة الحقيقية للمرء ليست في قائمة مهامه التي لا تنتهي، بل في قدرته على أن يكون حاضراً بروح صافية مع من يحب، وفي عمله، وفي خلوته مع نفسه. لنتوقف عن التباهي بكوننا “مشغولين دائماً”، ولنتعلم كيف نفتخر بكوننا “متصالحين مع سكوننا”؛ فالنجاح الذي يسلبنا صحتنا وسلامنا ليس نجاحاً، بل هو فخٌ أنيق نقع فيه جميعاً بملء إرادتنا.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي