عيد ميلاد جرح الجزء الثاني
بلال حسان الحمداني
مفارقةٌ عجيبةٌ أن أكتب عن شباط الذي بدأت رحلتي الشاقة به معكِ، مُذ خرجتُ قبل ثلاث سنوات منهكاً من سجني، واخترتُ أن أسير معكِ الطرق الوعرة بعد أن أنجاكِ الله من الزلزال، وقالت لي والدتكِ حينها: “بنتي أمانة عندك”، فحملتُ أمانتكِ بكل ثقلها وصنتها ، وسرتُ معكِ في صقيع برد شباط إلى أن استقر بكِ الحال. وشباط قبل سنتين، الذي عدتِ فيه معتذرةً بعد حيلة فراقكِ الأولى، فغفرتُ لكِ على مضضٍ وكان ما يزال خنجر حيلتكِ مغروساً في قلبي.
ولكن شباط السنة الماضية كان الأوجع والأقسى، الذي تركتِني فيه في قسوة شتائه؛ فعجيبٌ من شباط الذي جمعنا وفرقنا! ولكن الذنب ليس ذنب الأيام ولا الشهور ولا السنوات، إنما ذنب مَن كان بها معنا، مَن سرنا معه بكل صدقٍ لا يشوبه كذب، ونقاءٍ لا يخالطه رجس، ووفاءٍ لا يكون معه خيانة، وترَكَنا بكل بساطةٍ وشاعريةٍ منقطعة النظير.
لا أكتب اليوم حزناً عليكِ، فمذ وزنتُكِ بميزان كرامتي -لا الحب- خرجتِ من قلبي، وتحول الحب الشديد إلى كرهٍ مضرم، لكن أسفاً على نفسي وعلى الحب والحنان والاهتمام الذي كان، وقلتُ: “فلتذهبي غير مأسوفٍ عليكِ”.
لكني ممتنٌ لكل ما كان، فلم أعد كما عهدتِني؛ خالفتُ الشعراء في ابتدائهم قصائدهم بذكر الأطلال، ولو كنتِ تستحقين لأبقيتُكِ في جزءٍ جميلٍ من ذاكرتي القوية. بعد فراقكِ وجدتُ نفسي، قرأتُ عشرات الكتب، وكتبتُ رواياتٍ وذاع اسمي، وعملتُ ليل نهار حتى كان النوم عزيزاً عليّ، وصار عندي مالٌ، يا مَن كانت إحدى أسباب رفضكِ لي فقري الذي وصفتِني به! وحمداً لله تصالحتُ مع نفسي، والأهم أني متصالحٌ مع قلبي الذي كان أصدق ما يكون معكِ ومع الحب الذي هو نبراسي في الحياة.
إني لم أنقم على الحب لتجربةٍ فاشلةٍ معكِ، فلن أظلم الحب معكِ ولن أرمي بسوئكِ عليه؛ فالحب أسمى صفات الإنسان، ورغم كل ما كان ما زلتُ أتوفز للحب بكل طاقاتي، وأهبه أجمل كلماتي، وأنافح عنه وأدعو إليه، حتى لقبني الجميع وأصدقائي بـ “أستاذ الحب”. وما زلتُ كما عهدتِني، أهبُ مَن أحب حُنُوّي، عطفي، مواساتي، نديّ كفي وجمال لغتي، وخاصةً ذوي رحمي من الإناث؛ فما نقمتُ على أحد، ولم تكن ردة فعلي سلبيةً ووحشيةً بل إيجابيةً وناضجةً.
وغدوتُ أحب نفسي أكثر مما كنتُ أحبها أيامكِ، فقد اكتشفتُ نفسي في الحب، وصيّرني الحب أكثر رقةً وأكثر حُنُوّاً وعاطفة، يا مَن عيّرتِني بعاطفتي وقلتِ لي: “أنت عاطفي وأنا أبحث عن رجل عاقل”! لكن حينما يأتيكِ الرجل العاقل الخالي من المشاعر فتذكريني، وحينما يأتيكِ رجلٌ طويل القامة مفتول العضلات وعنده مال قارون فبشريني إن لم تجدي به ما وهبتُكِ إياه؛ لكنكِ كهواء شباط.. متقلبةٌ لا يُعرف لكِ حال.
وقد كنتُ أتمنى أن أغني لكِ بعز شباط “بعز البرد ووقت الريح وإعصارو.. سبحان الله كيف الورد مفتح لي بكل أزهارو”. لكنكِ أبيتِ إلا أن أغني لكِ: “شو بيشبهك تشرين.. غدار من دون إنذار، ع غفلة بيشتي وبيضيع حب سنين.. شو بيشبهك تشرين”.
الآن أستحضر كلماتكِ القاسية وأسباب رفضكِ لي، وكنتُ أعلم أني سأكون على موعدٍ مع شباط القادم لأقف هذه الوقفة؛ ليس بكاءً على أطلالكِ البالية، بل على نكرانكِ، قسوتكِ، جحودكِ، وعدم وفائكِ، فقد سيق من دمكِ كل الصفات الذميمة التي ذُكرت. لكني أؤمن بعوض الله أولاً، وأدعو الله أن يهبني واحدةً تعيد لي كل ما قدمتُ لكِ وما أضعته في طريقي معكِ، ولا أتمنى لكِ إلا أن يأتيكِ مَن يأخذ بحقي منكِ، لكي تعلمي أن الله حق، مع أنني كثيراً ما كنتُ أردد: “غفر الله لها”.. لكن بمجرد أن أستدعي كل ما كان، تثور رياح الكره في قلبي لكِ.
بلال الذي كان يحبك
قونيا – حي الحب القديم
الثالث والعشرون من شباط عام 2026
الساعة الواحدة ليلاً
عيد ميلاد جرح الجزء الثاني بقلم بلال حسان الحمداني






المزيد
القلم و الورقة بقلم عبدالرحمن غريب
شمس جديدة بقلم عبدالرحمن غريب
رمضان… ميزان القلب بقلم الكاتب هاني الميهى