حين ترحل المشاعر
يبقى الفراغ /
الكاتبة/سعاد الصادق
(قصة قصيرة)
في بعض الأحيان، لا يكون الفقد بغياب الأشخاص فقط، بل بغياب الكلمات التي لم تُقال، واللحظات التي ضاعت بين صمتنا وخوفنا….
لم تكن سارة تعرف بالضبط متى بدأ كل شيء يتغيّر، لكن المساء الأخير أعطاها الإجابة التي كانت تهرب منها. كانت المقهى ضيقة، والضوء الخافت ينساب فوق الجدران كأنّه يضع طبقة باهتة فوق مشاعرها. خلف النافذة، كان المطر يطرق الزجاج بإصرار، صوت يشبه طرقات قلبها المتعب.
جلست سارة عند حافة الكرسى، تمسح دمعة تسلّلت رغم محاولاتها الصلبة. لحظات قليلة ودخل كريم، يحمل كوب شاي لم يقدّمه لها… فقط أمسكه كما لو كان حاجزًا بينه وبين الاعتراف. توقفت خطواته عند بداية الطاولة، وبقي صامتًا، يحدّق في الأرض وكأنه يبحث عن الكلمات الضائعة.
رفعت سارة نظرها إليه وقالت بصوت هادئ لكنه مثقل بالألم:
ما عدت أفهم… متى صرنا غرباء؟
تنفّست بعمق، كأنها تجمع قوة من مكان ما داخلها حتى تخرج ما ظل عالقًا طويلًا.
كنت أقاوم الفقد… لكنك لم تساعدني. تركتني أقاتل وحدي.
جلس كريم ثم
رفع عينيه أخيرًا، ونظرة سريعة منه كانت كافية لتكشف كل ما حاول إخفاءه.
لم أتركك… فقط كنت أخاف أن أقترب فأخسرك أكثر.
ضحكت سارة ضحكة قصيرة، لكنها كانت أكثر وجعًا من البكاء.
الخوف ليس عذرًا يا كريم… الخوف هو الشيء الوحيد الذي دمّر كل شيء بيننا.
مرت لحظة طويلة، كأن الزمن توقف ليشاهدهما وهما يقفان على حافة آخر فرصة. كان كريم يريد أن يمدّ يده نحوها، كانت أصابعه ترتجف، لكن شيئًا ما فيه كان أضعف من أن يخطو خطوة واحدة.
اقترب منها خطوة، ثم قال بصوت مكسور:
لو بقي لنا شيء… كلمة، نظرة… أي أثر، قولي..
وقفت سارة. تحركت ببطء نحو المعطف المعلّق على الكرسى. كانت ترتديه بوعيٍ كامل، وكأن كل زرّ يُغلق يطوي ذكرى، ويُقفل بابًا قديمًا. اتجهت نحو الباب، ثم توقفت دون أن تلتفت.
قالت بصوت خافت لكنه ثابت:
بقي وجع… والوجع لا يُنقذ علاقات..
مدّت يدها نحو المقبض، ثم أضافت:
أحيانًا الرحيل… احترام لآخر محاولة في القلب.
فتحت الباب وخرجت بخفةٍ غريبة تشبه التحرر. لحظة صمت تلتها، ثم أغلق الباب خلفها بصدى ثقيل اخترق المقهى
بقي كريم واقفًا مكانه. لم يعد هناك صوت للمطر، ولا صوت لسارة. لم يكن هناك شيء سوى ذلك الكرسي الفارغ… الكرسي الذي ظلّ يشهد على كل ليلة كانت تجلس فيها أمامه، تقاوم، تعطي، وتنتظر.
والآن…
لم يبقَ سوى الفراغ.
وفنجان قهوة براد لم يلمسه أحد ….
أحيانًا يكون الرحيل أبلغ من أي اعتذار، والكلمات التي لم تُقال تتجاوز حضورنا لتظل وحدها شاهدة على ما كان وما لم يعد. في صمت المكان الفارغة، نفهم أن القلب أحيانًا يختار الرحيل ليحافظ على كرامته، ويترك للفراغ مساحة ليحكي قصته.






المزيد
موقف الأدب في المجتمع الإسلامي
حب يزهر دائمًا
سعادة تنبع داخلي