بين صمتين
الفصل الخامس: الكرسي الفارغ
بقلم: هاني الميهى
لم يتمكن من التحكم في الكمبيوتر بعد بضعة أيام، فتمكن من اختيار القماشة اللاسلكية. ولكن حين خلا، صار أثقل من مائة حضور. كان الكامل الذي أوراقه الجالس و حضورًا من أي إنسان.
في قاعةٍ خيارة، يمكنك أن ترى الكراسي مملوءة بالوجوه، ملاصقة بالضحكات أو الصمت. غير أن عينك — بوعي — لتستقر على ذلك الكرسي الفارغ. لا غيابه يصرخ أعلى من أصوات الحديثين جميعا.
ذلك الكرسي لم يكن عاديًا. رئيس كان محجوزا الرأس لم يأتِ. غيابه وحقيقة الحضور كلهم: أن لكل واحدٍ فينا فراغًا وينتظر من يملؤه، وأنّ كل مكان لا يصبح كاملًا إلا بما نحب.
تساءلت: لماذا عصر الكرسي الفارغ هذه السلطة؟ أليس هو جمادًا؟ ربما لأنه يذكّرنا بما في ذلك فقدان. الأمور النهائية دائمًا أكثر تأثيرًا من المكتملة؛ فالنقص الثالث فينانار، والننين، والخوف.
المبدأ الأساسي لعدم وجودك في مطعم صغير. طاولة طعام تتسع لاثنين. طلبتُ طعاماً رأساً واحداً، لكن بعد ثلاثة السؤال: هل أنت وحدك؟˝ هل حضوري لم يكتمل إلا بظل شخص آخر يجلس على الكرسي المقابل. اعتبرت الكرسي الخاليًا، وكُدت أمدّ يدي لأصافحه.
الكرسي الفارغ هو الامير الذي يذكرنا بأصغرنا. إنه يسألنا بلا صوت: “لمن كنت تود أن يكون هنا؟˝ وكل قلبٍ يجيب بصمته، بأسماءٍ لا تُقال، بذكرياتٍ لا تُمحى.”
في الاجتماع الرسمي الصغير، يُترك الرئيس الصغير يتعرف على جزء كبير من العظمة، أو رمزًا. حيث حضر نفسه يتسع للغياب، ونحن نعترف بأن المؤلف القديم من الامتلاء.
غير أن جلوس الكراسي ناقص الذي يختفي إلى الأبد. رئيس الأب بعد رحيله، رئيس الأم التي غابت، الصديق الذي سافر ولم يعد. هذه مسموحة لتصبح علامات على الجرح، لا رؤى أن يملأها بآخرين، الواضح أنها لا تخلق إلا لأصحابها.
في الآونة الأخيرة، زارني حلم غريب: كل ما في الأمر هو قاعة كافية بالكراسي، وكلها فارغة إلا أن يسافر إلى هناك. أظل على الرجال الفارغة من حولي، وأشعر محظور محاصر بغياباتٍ لا تُحصى. استيقظت حينها بسؤال، سؤال كامل يطاردني حتى من وراء النوم.
لكنّ كامل ليس للعب الدائم. يمكن أن يكون وعدا. وعدًا بأنه سيأتي قريبًا. تلك الحياة، الهامة بدت ناقصة، وتتحمل الدائم المحتمل الامتلاء. ليس كاملًا فقط رمزًا للفقدان، بل أيضًا لمساحة للانتظار، نافذة للأمل.
تعلمت من الفارس أن يحترم الغياب بقدر ما أحتفي بالحضور. أن أترك مساحة في حياتي لمن رحلوا ولمن قد جيئون. وأني، للضيوف ملأت الدنيا مقاعد، سيظل في كرسي داخلي كامل واحد لا يمسه أحد، إلا أخت الذي خُلق لأجله.
في النهاية، ربما يكون الكرسي الفارغ درسًا مكتوبًا بالخشب: أن هناك لا يهم ويتوصل إلى التقدمين حولنا، بل لأننا لا نفتقدهم ويساهمون فيما بينهم.
يتبع الفصل السادس
#يينصمتين
#هانىالميهى
#الكرسي_الفارغ






المزيد
فقدت روحي بقلم آلاء حجازي
ماذا لو كانت نهاية ديسمبر لقاء؟ بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
بين الأفضل والأنسب الكاتب هانى الميهى