مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بين صدري والعدم بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر 

بين صدري والعدم

بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر 

 

أقفُ في منتصف العتمة، لا لأن الليل أسدل ستاره،

بل لأن داخلي انطفأ فجأة…

كأن أحدهم أطفأ قلبي بيده،

وترك صدري يتصاعد منه دخان أسود لا يراه أحد.

أصرخ بصمت،

وأمدّ يدي نحو شيء لا أعرفه،

نحو طمأنينةٍ ضاعت،

نحو حضنٍ كان يشبه الوطن،

ثم صار يشبه المنفى.

كل شيء حولي أبيض…

بارد…

ساكن…

إلا هذا السواد الذي يخرج من أعماقي،

يتسلل من بين أضلعي،

يصعد إلى وجهي،

ويغطي ملامحي كأن الحزن قرر أن يسكنني إلى الأبد.

لم أكن أطلب الكثير،

فقط قلبًا لا يخذل،

ويدًا لا تفلت،

وصوتًا حين أضيع يقول لي: “أنا هنا”.

لكنني في كل مرة كنت أجد نفسي وحدي،

أجمع بقاياي من أرضٍ لم تحتمل سقوط أحلامي.

تعبتُ من التماسك…

من ادعاء القوة…

من ابتلاع الدموع كي لا أبدو ضعيفة.

تعبت من أن أكون دائمًا الشخص الذي يفهم الجميع،

ولا يجد من يفهمه.

هناك وجع لا يُحكى،

وجع يشبه الغرق البطيء…

تبتسم وأنت تختنق،

تضحك وأنت تتفكك من الداخل،

تقول “أنا بخير”

بينما كل شيء فيك ينهار بصوتٍ لا يسمعه أحد.

أحيانًا أشعر أنني لست إنسانة،

بل جرحٌ يمشي على قدمين.

كل ذكرى تمرّ بي

تفتح نافذة للوجع،

كل اسمٍ كان يومًا عزيزًا

صار شوكة في خاصرة روحي.

لم يعد يؤلمني الفقد فقط،

بل يؤلمني أنني كنت أصدق،

وأمنح،

وأحبّ بكل ما فيّ،

ثم أُترك كأنني لم أكن.

كم هو قاسٍ أن تتحول من “كل شيء”

إلى “لا شيء”

في قلبٍ كنت تراه عالمك الوحيد.

أجلس أحيانًا وأتأمل يديّ…

أتساءل:

كم مرة حاولت أن تمسك بشيءٍ يهرب؟

كم مرة امتدت لتحتضن ظلًا؟

وكم مرة رجعت إليّ فارغة،

إلا من رجفةٍ تشبه الخذلان؟

الليل صار مرآتي،

أرى فيه حقيقتي كما هي…

بلا أقنعة،

بلا ضحكات مزيفة،

فقط أنا

وحزني

وصوت قلبي وهو يتوسل بعض السلام.

أعلم أنني سأكمل الطريق،

كالعادة…

سأرتدي وجهي القوي،

وأمشي بين الناس كأن شيئًا لم يحدث.

لكن بين صدري والعدم

ستبقى هناك فجوة…

واسعة…

باردة…

تذكرني كل يوم

أن بعض الأشياء إذا انكسرت

لا تُصلح…

بل نتعلم فقط كيف نعيش بها.