بقلم/ عدنان الورشي
قد لا تكون أصدق الشهادات تلك التي تصدر عن القريب، بل ما يدهشنا حقًا هو إنصاف البعيد، حين يتحدث عن حضارة لا ينتمي إليها، ويشهد لها رغم اختلاف اللغة والثقافة والدين. هذا بالضبط ما فعله عدد من المستشرقين الأوروبيين، حين وقفوا موقفًا منصفًا، لا تمليه المجاملة ولا يدفعه الهوى، بل تصنعه الدهشة أمام حضارة أثّرت في العالم عميقًا، وأضاءت عصورًا كانت تغرق في الظلام.
كان المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون من أوائل من صرّح بأن العرب لم يكونوا مجرد فاتحين، بل بناة حضارة من الطراز الرفيع. كتب في “حضارة العرب” عن لغتهم التي رأى فيها قدرة تعبيرية لا مثيل لها. وعلى خطاه، سارت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، التي خالفت تيارًا واسعًا في أوروبا لتقول: “شمس العرب تسطع على الغرب”، وتؤكد أن النهضة الأوروبية ما كانت لتتشكّل لولا الإرث العلمي والفكري الذي قدّمه العرب.
أما كارلو نلينو، فقد توقف كثيرًا عند تفوق العرب في علمي الفلك والرياضيات، وراح يسرد بدقة أسماء ونظريات سبقت زمانها، وأثرت لاحقًا في مناهج الغرب. وداخل تيار مختلف، خرج إدوارد سعيد ليهزّ ثقة الغرب بنفسه، ويكشف في كتابه “الاستشراق” كيف رسم بعض المستشرقين صورة مشوّهة للعرب، داعيًا إلى نظرة أكثر توازنًا وإنصافًا.
وفي حقل اللغة، لفتت العربية أنظار ويليام رايت، الذي وجد فيها سحرًا خاصًا، وإحكامًا في التعبير قلّ أن يُرى في لغة أخرى. أما توماس أرنولد، فاختار أن يتأمل في الإسلام من زاوية إنسانية، مؤكدًا في كتابه “الدعوة إلى الإسلام” أن انتشاره لم يكن بالسيف، بل بالدعوة، بالحكمة، وبما قدّمه من إشعاع حضاري.
لسنا بحاجة إلى تزويق التاريخ أو المبالغة فيه، فهو أقدر على التحدث عن نفسه. إنّ شهادة هؤلاء، رغم ما يحيط بها من سياقات سياسية وفكرية، تبقى صدى صادقًا لحقيقة حاول البعض طمسها، لكنها تأبى أن تُمحى. فالحضارة العربية لم تكن وهجًا مؤقتًا، بل ضياءً ممتدًا، ترك أثره في الطب، والفلك، والفكر، والشعر، والفن، وكل ما يلامس روح الإنسان.
قد تمرّ بنا فترات يخفت فيها البريق، لكن المجد لا يُدفن، والتاريخ لا يُعيد كتابته سوى من يملكون الحقيقة والجرأة على قولها. وما زال في الأفق متسع لعودة، تنبثق من رماد الذاكرة، ومن شغف لا يشيخ… فالحضارات الحية لا تموت، بل تنتظر لحظتها لتُشرق من جديد.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي