بقلم: يحيى القطب
في فيلم الخيال العلمي الشهير «رجل الدمار» للنجم سيلڤستر ستالوني يظهر عالمٌ مستقبليٌّ شديد النظام، مدينةٌ نظيفةٌ لامعة، تبدو في ظاهرها مثالًا للحضارة. لكن خلف هذا الهدوء المصطنع يعيش عالمٌ آخر تحت الأرض، حيث تراكم الفقر والتهميش حتى صار نواة تمرّدٍ كامن. كان الفيلم يسخر من المستقبل، لكنه يلمّح إلى فكرة عميقة: المدن التي تتجاهل مشكلاتها الاجتماعية قد تبدو حضارية من الخارج، لكنها تحمل في داخلها توتراتٍ كامنة.
وعلى الرغم من أن الواقع أبعد ما يكون عن الخيال السينمائي، فإن المدن الحديثة تُقاس – في نظر الزائر والمقيم معًا – ليس فقط بارتفاع أبراجها أو اتساع طرقها، بل أيضًا بما يظهر في شوارعها من سلوكٍ ونظام. ومن هنا تصبح ظاهرة التسوّل، حين تنتشر وتتحول إلى مشهدٍ يوميٍّ مألوف، عاملًا مؤثرًا في المظهر الحضاري للمدينة وصورتها العامة.
من التعاطف إلى الانطباع السلبي
في البداية يتعامل الناس مع المتسوّل بوصفه حالة إنسانية فردية تستدعي التعاطف. فالفقر موجود في كل المجتمعات، ومساعدة المحتاج قيمة أخلاقية نبيلة. غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول الحالات الفردية إلى ظاهرة واسعة الانتشار.
فالزائر الذي يدخل مدينةً ما لا يرى قصة كل متسوّل على حدة، ولا يعرف الظروف التي دفعته إلى الشارع؛ بل يرى المشهد الكامل: إشارات المرور، الأرصفة، مداخل المترو، والميادين الكبرى وقد امتلأت بأيدٍ ممدودة.
وعند هذه اللحظة يتحول الأمر – في وعي الناس – من مأساة إنسانية فردية إلى انطباع عام عن المجتمع.
فالمدن، مثل الوجوه، قد تخفي وراءها قصصًا كثيرة، لكن الانطباع الأول غالبًا ما يصنعه المظهر.
عندما تتحول الشوارع إلى تجربة مزعجة
لا تقف آثار الظاهرة عند حدود الصورة الذهنية للمجتمع، بل تمتد أيضًا إلى تجربة الزائر نفسه، خاصة في المدن التي تعتمد على السياحة.
فالسائح يأتي عادةً ليتمشى بحرية، ويتأمل المعالم، ويعيش تجربة مختلفة. لكن حين يجد نفسه محاطًا بالإلحاح المستمر، أو الملاحقة في الطرقات، أو الطرق على زجاج السيارات عند الإشارات، فإن التعاطف الطبيعي قد يتحول إلى شعور بالضيق.
ولا يعني ذلك أن السائح يفتقر إلى الإنسانية، بل إن الإلحاح المتكرر يحوّل الموقف من حالة تعاطف عابرة إلى تجربة ضغط مستمرة. وعندئذ تصبح الظاهرة – دون قصد – عاملًا يفسد متعة المدينة في نظر الزائر.
كيف تتآكل هيبة المكان
المدن لا تُبنى بالحجارة وحدها؛ فالعمران مهما بلغ جماله لا يصنع الحضارة إذا لم يصاحبه نظامٌ في السلوك العام.
الميادين الكبرى، ومحطات النقل، والطرق الرئيسية، هي واجهة المدينة. يفترض أن تكون أماكن منظمة تُجسّد صورة الاستقرار والهيبة. لكن حين تتحول هذه المساحات إلى نقاط تجمع للتسوّل، يتغير المشهد تدريجيًا.
فبدلًا من أن يرى الناس مكانًا منظمًا يعكس حضور الدولة والنظام، يرون مساحات تتنازعها الفوضى. ومع مرور الوقت يفقد المكان شيئًا من هيبته، حتى لو ظل العمران نفسه جميلًا.
ولهذا يقال إن الحضارة ليست في المباني وحدها، بل في السلوك الذي يملأ هذه المباني حياةً ومعنى.
عندما يصبح التسوّل نظامًا موازيًا
المشكلة الأعمق تظهر عندما يتجاوز التسوّل حدوده الفردية ليصبح ظاهرة منظمة. ففي كثير من المدن تتشكل شبكات تستغل الأطفال، أو تقسم مناطق العمل، أو تتخذ من إشارات المرور والميادين نقاطًا ثابتة للسيطرة.
وعند هذه المرحلة لا يعود الأمر مجرد تعبير عن الفقر، بل يتحول إلى نظامٍ موازٍ غير رسمي داخل المدينة. نظامٌ له أماكنه وحدوده وأدواره، ويعمل في الفراغات التي يتركها غياب التنظيم.
وهنا تتداخل القضية الاجتماعية مع قضية النظام العام، لأن ترك الظاهرة تتوسع دون معالجة يفتح الباب لتحولها إلى جزءٍ دائم من المشهد الحضري.
بين الرحمة والنظام
إن الحديث عن أثر التسوّل على المظهر الحضاري للمدن لا يعني تجاهل البعد الإنساني للظاهرة. فالفقر مشكلة حقيقية، ومساعدة المحتاج قيمة أخلاقية راسخة في وجدان المجتمعات.
لكن المدينة الناجحة هي التي تستطيع الجمع بين الرحمة والنظام معًا:
رحمةٌ تحمي الضعفاء وتمنحهم فرصًا للحياة الكريمة، ونظامٌ يحفظ للشوارع هيبتها وللمدينة صورتها الحضارية.
فالمدينة ليست مجرد طرقٍ ومبانٍ، بل كيان حيّ يعكس قدرة المجتمع على رعاية أبنائه وفي الوقت نفسه حماية نظامه العام.
وإذا عجزت المدن عن تحقيق هذا التوازن، فإن المشكلة لن تبقى مجرد تشوّه بصري في الشوارع، بل قد تتحول – مع الزمن – إلى تراكمٍ من الغضب والتهميش في طبقاتٍ واسعة من المجتمع.
وعندها لا تعود القضية قضية منظرٍ حضاري فحسب، بل مسألة استقرار اجتماعي قد يفرض نفسه يومًا على نحوٍ لا يتوقعه أحد.






المزيد
نظام الطيبات على الميزان
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة