مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أوغستين من تاغست، قديس الفلاسفة وفيلسوف القديسين

Messenger Creation 8ed94458 E800 4006 B3cb 15e64f7efdb6

كتب: الكاتب الجزائري باسم منصور

 

موجز في سيرته الذاتية

ليس من الصعب كتابة وصفا تفصيليا لحياة هذا الرجل التاغستي، فقد تكفل هو بنفسه بكتابة سيرته الذاتية فضلا أن صديقه بوسيدوس كان قد كتب بالتفصيل سيرة أستاذه بشكل مطولا مؤيد بما كتب كل ما ذكره أوغستين في كتابه “الاعترافات” ، كما يعتبر القديس أوغستين من أبرز الشخصيات الفلسفية العالمية والمؤسس الأول لنظام الرهبنة والفكر الغربي اللاهوتي، ربما كان أيضا الفيلسوف الأكثر تأثيراً على الإطلاق،حيث يعتبره المؤرخ توماس كاهيل أول شخص من العصور الوسطى وآخر شخص من العصر الكلاسيكي. ولذلك سنعرض بشكل موجز سيرة هذا المفكر والفيلسوف اللاهوتي “أوريل التاغستي” ،فمن سيكون هذا الرجل التاغستي ؟.

الشيء الثابت عند أوغستين والذي لم يتأثر بتقلباته وركضه وراء تيارات اللهو والمجون منذ مراهقته إلى شبابه هو تاريخ ولادته ووفاته، فقد ولد القديس أوغستين يوم 13 نوفمبر 354 م بمدينة تاغست”سوق أهراس حاليا”ومات يوم 28أوت 430 م بمدينة هيبون”عنابة حاليا”وهو واحد من ثلاث أبناء باتريسيوس ومونيك صغار المزارعين بذات المدينة حيث عاش رفقة اخوته نفيقوس وباربتوا طفولة سعيدة وسط أهلهم من سكان مدينة تاغست، وقد كان الصغير أوغستين في طفولته فتى مشاكسا لا يحب المدرسة ووحشيتها وكان كثيرا ما يفضل الهروب واللعب مع أقرانه وسط أزقة وأحياء المدينة على أن يبقى ليستمع لتعاليم أساتذته، لكنه سرعان ما ظهر ذكائه وتجلى أمام والديه واتضح نبوغه وتفوقه على أقرانه، وبالرغم من الوضع المتواضع ومكانة والديه في مجتمعهم وقلة الموارد المالية لهما الا أنهما كانا يطمحان لتدريس ابنهما أوغستين وتوفير مستقبلا لامعا له، لذلك فقد درس أوغستين في جميع مراحل الدراسة والتدريس حسب النظام الذي كان معمولا به خلال تلك الحقبة، فدرس في الابتدائية ثم الثانوية ووفر له دراسة جامعية ممتازة في قرطاج، وسرعان ما أصبح بعد سنوات خطيبا مرافعا وأستاذا للأداب وواحدا من أهم مفكري عصره والعصور التي تلته، ووفقا لما جاء ذكره من معاصره القديس جيروم فانه بفضل أوغستين أسس الإيمان القديم من جديد، وتعتبر كتاباته من أول الكتابات التي تناولت اللّاوعي وأعماق الإنسان النفسيّة، كما اعتبر من أوائل المحدثين بالكوجتوا قبل ديكارت، وعلى أحافير منهجه الفكري قامت فلسفة ومدرسة القرون الوسطى.

عاش أوغستين حايته يطمح لعيش حياة سعيدة فاندفع للبحث عن الحقيقة، حقيقة مصير الانسان، في البداية لم يجد غايته وأهمل نفسه لملذات جسده وجنوحها للرذيلة واللهو، فكان كثير ارتكاب الأخطاء بالرغم من أنه كان متشبعا بالعلم والمعرفة التي تلقاها خلال مساره الدراسي الذي بدأ في مدينة مسقط رأسه تاغست ومن ثم في مدينة مادور “مداوروش حاليا” ومن ثم في قرطاج، وتعد حياة القديس أوغستين مصدر الهاما للعديد من الشخصيات على غرار الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس الذي قال عنه أنه “أول انسان عصري” وكذلك جاليولو الذي اعتبر أعماله منفذا وطريقا لكسب الدعم الكنسي لعلومه، فبالرغم من جنوح نفس أوغستين وتقلباته المستمرة الا أنه لم ينسى الخوض في مسائل العلم والبيان، فأضحت حياته مقسمة الى شطرين، فكانت حياة أوغسطين الأولى حياة شابٍ متهورٍ وطائشٍ عارفٍ لحياة الشهوات والمتع الدنيوية حيث لا محاولات والدته قد أسعفته ولا علمه الغزير من أن يعيش بذلك الشكل، فمنذ السادسة عشر من عمر جسده بدأ في اتباع شهواته، ولعل طبيعة تفكير المجتمع في ذلك

الوقت كان لها دورا بارزا في طريقة تفكير أوغستين وجنوحه الى اشباع رغباته التي افضت الى انجابه طفلا غير شرعي من صديقته سماه أديديوس” هبة الله” والذي أخذ من والده أوغستين الفطنة والنباهة محبا للعلم والمعرفة غير أنه مات في ريعان

شبابه بعد عودتهم الى مدينة تاغست،وأثناء وجوده في قرطاج، كان أوغستين أشبه بشخص أناني متكبر لا يريد شيئا سوى التفوق فرحا بثقلفته التي اكتسبها هناك فقام لأول مرة بكتابة كتابًا فلسفيًا قصيرًا يهدف إلى إظهار مزاياه الخاصة والارتقاء بمسيرته المهنية ويعتبر هذا الكتاب من بين الكتب التي ضاعت وفقدت،في ذات المرحة تعرف أوغستين على أهم أعمال شيشرون.

فاتسمت حياته الثانية بالشك تارة واليقين تارة أخرى، ليعتنق في بداية تعليمه الديانة المانوية التي كانت تلائم فكره ومزاجه البلاغي وتأثر بها كثيرا ودافع عنها طيلة تسع سنوات ليكتشف بعد ذلك أن هؤلاء المانويين لم يكونوا سوى مجموعة من الأشخاص ردودهم خالية ساخرة لكل ما كان مختلف عن نظريتهم التي جاء بها ماني، ليتركها نهائيا حوالي سنة 382م ويتجه أوغستين نحو المذهب الشكي الذي لم يجد فيه هو الأخر غايته الى أن بدأ في قراءة الكتب الأفلاطونية حوالي سنة 385م والتي لم يلبث وانفصل عن قرائته لهذه الأفكارة مرة أخرى ويتجه الى دراسة الكتاب المقدس، ليبدأ في قراءة رسائل الرسل لحضور خطب اللاهوتيين الحديثينوأصبح مهتمًا بأفكار الرهبنة، وبعد قراءته لسيرة القديس أنطونيوس الكبير وتأثره بها ولقائته المستمرة مع القديس أمبروز الذي أعجب أوغستين بشخصيته وبلاغته وبفضل الحاح أمه مونيك من أجل أن يتم تعميده فكان ذلك بالفعل سنة 387معلى يد القديس أمبروز رفقة ابنه وأصدقائه الذين رحلوا معه الى ميلانو على غرار تلميذه وصديقه أليبيوس، من ثم وعندما توفيت والدته ، عاد إلى وطنه ، وخلق مجتمع الرهبانية ، وقام بتأسيس مدرسته الخاصة في مدينته تاغست قبل أن يعين مساعدا لأسقف مدينة هيبون ومن ثم تمت ترقيته لشغل نفس المنصب، ليبدأ كفاحه الذي أستمر مدى الحياة ضد الدوناتية، كما عمل بكل جهد على توحيد الكنيسة الافريقية.

Messenger Creation Cbd862b6 46ce 4de0 8bac 9997d50e049d

على أي حال عندما نسافر عبر القرون التي تفصلنا عن القديس أوغستين، ندرك أنه كان حاضرا باستمرار في الثقافة الغربية ولا يزال حضوره حيا حتى اليوم وهذه الحقيقة لا يمكن أن يتم تجاهلها في عصرنا الحالي وفي هذا الصدد يمكننا أن نقتبس ما قاله المختص الكبير في الفكر الأوغستيني Henri-Irénée Marrou “ستة عشر قرنا تفرقنا عن هذا الرجل، ستة عشرة قرنا توحدنا معه”، كذلك يجب ألا ننسى أن الأسئلة الفلسفية الكبرى مثل الرغبة، ومعرفة الذات، والذاكرة، والوقت، النعمة الإلهية والإرادة الحرة، هي موضوعات فلسفية طورها أوغستين إلى حد كبير، وهو الشيء الذي عبر عنه في جل أعماله وكتاباته خاصة الجزء الحادي عشر من اعترافاته ومدينة الله ورسائله ومحادثاته الروحية، وصرعاته الفكرية ضد الابيقورية وغيرهم من معاصريه، فقد عرف أوغستين بردوده الدائمة ومناقشته لجميع المسائل الفكرية حتى أن ألف كتب كثيرة ومجالات عدة كمجال الموسيقى في كتابة”فن الموسيقى”، وجدير بالذكر أيضا فان القديس أوغستين يعتبر شفيع الكهنة وهذا بفضل الأنظمة الرهبانية التي حددها في الدير الذي قام بتأسيسه بعد عودته من روما الى مدينة مسقط رأسه تاغست.

كان أوغستين يتعذب من أسلوب حياته التي أنهكت روحه كما يقول في سيرته الذاتية التي عرفناها باسم “الاعترافات” ، فراح يبحث عن الطهارة ويسلك طريق أخر غير الذي اعتاد عليه والذي لم يستطع مقاومته طالبا في عديد المرات تأجيله وهو ما ذكره فعلا في اعترافاته حين قال”هبني الطهارة ربي لكن ليس الأن”، ليجمع أوغستين بين ارادتين متضادتين تماما هما ارادة المحبة للحياة الماجنة واللهو والزنقدقة تارة وارادة حب الله والعفة تارة أخرى، وهذا ما يجعل من الباحثين في حياة وسيرة القديس أوغستين يجدون في أقواله متناقضات وسخافات بل وقسوة سقيمة في التفكير، ويبدو أن عدة محاولات قد بذلت لاغتيال أوغستين نفسه مع مرور سنوات من وفاته، خاصة الذين وقف ضد أفكارهم والتي تعارضت مع أفكاره، حيث يذكر أن القديس أوغستين كان دائم التمسك الضديد بأفكاره متعسفا في أحكامه الدينية ولم يكن في بعض الأحيان متسامحا، وهذا ربما ما يجعلنا نفهم لمذا وقف أوغستين ضد ثورة الدوراين، الا أنه في نفس الوقت كان عطوفا على الفقراء كريما معهم ساهم في تعليم من جاؤوا له ليأخذوا عنه فنون البلاغة، وما من شك أن هناك العديد من الماثر الحميدة المأخوذة عن أوغستين ونقلت عنه مع مرور الزمن، وعن وصفه لنفسه فقد ذكر أوغستين بأنه قصير القامة، نحيل الجسم، ضعيف البنية على الدوام، وكان يشكو اضطراباً في الرئة، وكان شديد التأثر بالبرد، وكان مرهف الأعصاب، سريع التهيج، قوي الخيال مكتئبه، حاد الذهن، مرن العقل، وقد كانت أعمال الفيلسوف التاغستي أوغستين الذي عرفه العالم باسم اوريليوس أوغسطينوس بعد تحوله الى المسيحية وهي الفترة التي

تخلى فيها عن الشك وعن عدم اليقين التي صورها هو بنفسه في كتابه الاعترافات والذي عرفناه من خلاله، دليل على بداية عهد جديد له انطلق شعاعه من مزرعة كاسيسياكوم بالقرب من ميلانو.

خلال كل مراحل حياته كتب القديس أوغستين العديد من المؤلفات والكتب والرسائل والتي حملت في طياته أفكار هذا الرجل التاغستي، فقد كتب أوغستين بعد اطلاعه وقرائته للكتب الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة كتابه الشهير “الرد على الأكاديميين” حيث عالج فيه مسألة اليقين وأعتبرها المسألة الأولى في مقدمة جميع المسائل، كما كتب أيضا أعمالا أخرى مثل كتاب “نظرة في الحياة السعيدة” وهو لا يزال في مزرعته بكاسيسياكوم، وبعد عودته إلى تاغست كرس موهبته الفريدة وقدرته الأدبية والفكرية والقدرة على التعبير التي كان يمتلكها للترويج لرؤيته وأفكاره بطريقة ميزته عن معاصريه سواء كانوا من الذين ينتمون إلى المسيحية التي أقرها الأباطرة أو الذين ينتمون الى الكنيسة الافريقية المعارضة، ولم يكن أوغستين دائم الجلوس في مكان واحد بل كان دائم التنقل باحثا عن غاياته الفكرية التي كانت قرطاج البيئة المناسبة له على عكس موطنه الأصلي الذي كان مشحوننا بالصراعات الفكرية خاصة أنصار المذهب الدوناتي الذي تحول الصراع معهم الى استعمال القوة خاصة بعد أن عمد الأسقف فاوستين وهو أحد زعماء الدوناتية في هيبون على منع الخبازين من تقديم الخبز للأقلية الكاثوليكية والتحريض على استعمال العنف ضدهم.