بقلم / خالد محمد شعبان
قديمًا، حين كانت السفن تبحر في المحيطات، لم يكن هناك نظام ملاحة عالمي يرشدها، لذا شيدت الدول آنذاك المنارات البحرية لتكون علامات مرورية تبين للسفن اتجاهها الصحيح.
وبما أن هذه المنارات لا يمكنها أن تعمل من تلقاء نفسها، فقد كانت تُدار بالوقود عبر إشعال شعلة أمام عدسات ضخمة، تُوجِّه الضوء ليسافر أميالًا عبر المدى، ويرشد السفن التائهة.
كانت هذه العملية تتطلب وجود عامل أو أكثر يحرصون على بقاء النور متقدًا بكفاءة، لكن تلك الوظيفة كانت تتطلب دفع ثمن باهظ؛ إذ تقتضي تحمل البرد والوحدة والعزلة وتقلبات المحيط، مع ترشيد الاستهلاك بانتظار سفينة تبديل المناوبة التي قد لا تصل إلا بعد شهور. وكان هذا هو الثمن الذي يدفعه من يختار أن يكون منارة.
لقد هلك الكثير من هؤلاء العمال؛ منهم من اختفى، ومنهم من فقد عقله بسبب قسوة البحر أو وطأة الوحدة، لكنهم واجهوا كل ذلك بمفردهم، معزولين عن العالم. وهذا بالضبط ما يحدث لبعض الناس حولنا حين يقررون أن يكونوا “منارات” لغيرهم.
إنها مسؤولية جسيمة أن يستمد الآخرون منك القوة؛ أن تكون قلبًا يداوي جراحهم ويعالج آلامهم. فحين تختار هذا الدور، فأنت تقرر أن تكون منارة، ويجب أن تتحمل ضريبة ذلك.
ولأنك مصدر قوتهم، لن يصدقك أحد إن سقطت أو هُزمت، بل سيناقشك الجميع في حلول عملية لتقف من جديد، لكن قلما تجد من يتعاطف مع إنسانيتك؛ سيعتبرون سقوطك مجرد وعكة بسيطة، وينتظرون عودتك لتمنحهم القوة مرة أخرى.
وحين يطول الأمد وتفقد كل طاقتك وتظهر ضعفك، قد يبحثون ببساطة عن مصدر قوة آخر، ويرسلون غيرك إلى “المنارة” وينسون أمرك.
ليس لأنهم أشرار، بل لأنهم ضعفاء، غير مؤهلين ليكونوا منارات، بل هم كالسفن التائهة التي لا تملك إلا البحث عن ضوء يرشدها؛ فإن خبا نورك، بحثوا عن غيرك، إذ لا يُسمح للمنارة بأن تضعف.
أن تكون منارة يعني أن تحمل رسالة النور للعالم، أن ترى الحقيقة وحدك وتتألم بها منفردًا، وطالما بقيت قويًا سيبقون حولك، أما إن أظهرت انكسارك فقد ينفضّون من حولك. لذا، إن وقع عليك الاختيار لتكون منارة، فاستعد لتحمل الوحدة والألم… وحدك.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق