حوار: جهاد صباح
حيث بين حبكة التشويق وأبعاد النفس البشرية، ينسج الكاتب والروائي محمد صالح وهبة عوالمه الأدبية الخاصة. استطاع أن يلفت الأنظار بأعماله المتنوعة، ويتوّج نجاحه بحصوله على المركز الأول في مهرجان همسة الدولي لعام 2026 عن روايته «الذين لا يُدفنون». واليوم نلتقي به في هذا الحوار ليكشف لنا عن كواليس أعماله والدافع وراء كتابتها
كيف كانت بدايتك مع الكتابة، ومن أول من شجعك على دخول عالم الرواية؟
كانت بدايتي مع الكتابة مرتبطة بحبي للتأمل ومراقبة التفاصيل الإنسانية، لكن الفضل الأكبر في تكوين شخصيتي يعود إلى والدي، رحمه الله، فقد كان معلمي ومرشدي، ولم يكن دوره في حياتي مقتصرًا على التربية والتعليم، بل كان صاحب أثر عميق في طريقة تفكيري ونظرتي إلى الحياة.
علّمني أن الإنسان لا يُقاس بما يقوله فقط، بل بما يحمله من قيم ومواقف، وأن المعرفة الحقيقية لا تكتمل إلا بالفهم والتأمل.
ورغم أن رحيله ترك فراغًا كبيرًا في حياتي، فإن أثره لم يغب عني، فما زلت أجد في كثير من أفكاري ومواقفي امتدادًا لما تعلمته منه.
كيف أسهمت دراستك للعلوم الشرعية التابعة لجمعية أنصار السنة المحمدية في صياغة رؤيتك الفكرية والأدبية، وهل نلمس أثر هذا التكوين في عمق رواياتك؟
أعتقد أن التكوين الفكري للإنسان لا ينفصل عن تجربته الأدبية، وأن كل ما يتعلمه المرء ويعيشه يترك أثرًا في طريقة رؤيته للعالم.
لقد أسهمت دراستي للعلوم الشرعية في ترسيخ أهمية القيم الأخلاقية، والتفكير في مسؤولية الإنسان عن أفعاله، والتأمل في مفاهيم العدل والظلم والحق والباطل، وهي مفاهيم أراها حاضرة في جوهر التجربة الإنسانية.
حصدت روايتك «الذين لا يُدفنون» المركز الأول في مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون لعام 2026. ماذا تعني لك هذه الجائزة، وكيف انعكس هذا التكريم على مسيرتك الأدبية؟
يمثل حصول روايتي «الذين لا يُدفنون» على المركز الأول في مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون في دورته الرابعة عشرة لعام 2026 محطة مهمة في رحلتي الأدبية، وأعتبره تقديرًا معنويًا كبيرًا لكل جهد ووقت ومشاعر وضعتها في هذا العمل.
لكن ما تعنيه لي الجائزة يتجاوز فكرة الفوز نفسها؛ فهي تمنح الكاتب شعورًا بأن ما أراد التعبير عنه قد وصل إلى قارئ أو لجنة تحكيم استطاعت أن ترى في العمل قيمة تستحق التقدير.
إلى جانب كونك كاتبًا، تقوم بدور ريادي في دعم المواهب الشابة عبر مؤسسة «فرسان القلم». ما الفكرة الأساسية وراء تأسيسها، وكيف تقيم واقع الكُتّاب الجدد اليوم؟
جاءت فكرة «فرسان القلم» من إيمان راسخ بأن الموهبة الأدبية تستحق فرصة حقيقية للظهور، وأن هناك الكثير من الأقلام الجيدة التي تمتلك الموهبة والشغف، لكنها لا تجد المساحة المناسبة التي تساعدها على الوصول إلى القارئ.
لم نؤسس فرسان القلم لتكون مجرد مجموعة تنشر النصوص، وإنما أردنا أن تكون كيانًا ثقافيًا يقدم الدعم لكل كاتب، ويساعد على إبراز الأعمال والمواهب، ويخلق حالة من التعاون والتشجيع بين أصحاب الأقلام المختلفة.
أما عن واقع الكُتّاب الجدد، فأرى أنه يضم مواهب واعدة جدًا، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في الوصول إلى الجمهور، والحصول على التوجيه الأدبي الجيد، والتمييز بين الانتشار السريع وبين بناء تجربة أدبية حقيقية.
من واقع تجربتك ودعمك المستمر للأصوات الأدبية الناشئة، ما أكبر عقبة تواجه الكاتب الجديد، وما نصيحتك الذهبية له ليثبت أسلوبه الخاص في الساحة الأدبية؟
أعتقد أن أكبر عقبة تواجه الكاتب الجديد ليست نقص الموهبة بالضرورة، وإنما الاستعجال في الوصول إلى النجاح، والوقوع في فخ التقليد والمقارنة المستمرة مع الآخرين.
نصيحتي لكل كاتب جديد: لا تحاول أن تكون نسخة من كاتب تحبه، بل تعلّم منه، واقرأ له، وافهم أدواته، ثم ابحث عن صوتك أنت.
بعد هذا النجاح الكبير في عام 2026، ما محطتك الأدبية القادمة، وهل ننتظر عمقًا روائيًا جديدًا قريبًا يضاف إلى مكتبة القارئ العربي؟
أرى أن كل عمل أدبي جديد يمثل تحديًا مختلفًا، ولا أحب أن أكرر نفسي أو أعيد إنتاج التجربة ذاتها بأسماء وشخصيات جديدة.
ما أطمح إليه في المرحلة المقبلة هو أن أقدم للقارئ روايات لا تكتفي بإمتاعه أثناء القراءة، بل تترك داخله سؤالًا أو فكرة أو شعورًا يستمر معه حتى بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة.
أولًا: رواية «الذين لا يُدفنون»
لماذا سميت الرواية بهذا الاسم (الذين لا يُدفنون)، ومن تقصد بهذا العنوان؟
عنوان «الذين لا يُدفنون» يحمل دلالة تتجاوز المعنى الحرفي للموت والدفن.
الذين لا يُدفنون هم، في أحد أبعاد العنوان، أولئك الذين تظل آثارهم حاضرة، حتى عندما يحاول الجميع إقناع العالم بأنهم انتهوا.
ما الدافع أو الفكرة الأساسية التي جعلتك تكتب هذه الرواية وتختار لها هذا العالم؟
كانت الفكرة الأساسية هي التأمل في علاقة الإنسان بذاكرته وهويته، وماذا يمكن أن يحدث إذا امتلكت جهة ما القدرة على التحكم في الماضي، أو إعادة تشكيل الحقيقة، أو محو ما لا تريد للناس أن يتذكروه.
ولذلك لم يكن هدفي أن أكتب حكاية خيالية لمجرد الإبهار، بل أن أستخدم الخيال لطرح أسئلة قد تكون أقرب إلى واقعنا مما نتخيل.
ثانيًا: رواية «داركوش – وريث الدم الملكي»
ما سبب اختيار اسم «داركوش» عنوانًا للرواية؟
اخترت اسم «داركوش» لأنه يحمل طابعًا غامضًا ومميزًا، ويتناسب مع طبيعة العالم الفانتازي الذي بنيت أحداث الرواية داخله.
«داركوش – وريث الدم الملكي» ليست مجرد حكاية عن شخص يحمل نسبًا ملكيًا، بل رحلة داخل عالم تتشابك فيه الأسرار القديمة والعهود والنبوءات والصراعات، حيث يصبح الدم الموروث مسؤولية ومصيرًا في الوقت نفسه.
ما الذي دفعك لكتابة هذه القصة تحديدًا؟
لطالما جذبني عالم الفانتازيا؛ لأنه يمنح الكاتب مساحة واسعة لابتكار عوالم وشخصيات لا تخضع بالضرورة لقوانين الواقع المألوف.
لكن ما دفعني إلى كتابة «داركوش» لم يكن الرغبة في خلق عالم خيالي فقط، وإنما تقديم حكاية تجمع بين التشويق والغموض والصراع على الهوية والمصير.
وأعتقد أن نجاح هذا النوع من الروايات يعتمد على أن يكون الخيال متماسكًا، وأن تكون الشخصيات الإنسانية داخل العالم الخيالي قادرة على لمس مشاعر القارئ الحقيقية.
ثالثًا: رواية «الورد القاتل – جريمة في شبرا»
لماذا أطلقت اسم «الورد القاتل» على هذه الرواية، وما الفكرة أو الموقف الذي ألهمك لكتابتها؟
اخترت عنوان «الورد القاتل» لما يحمله من مفارقة بين صورتين متناقضتين؛ فالورد يرتبط في أذهاننا بالجمال والرقة والحياة، بينما القتل يرتبط بالنهاية والعنف والظلام.
وفي النهاية، أحب أن أترك للقارئ مساحة للتفكير والتحليل، وأن أجعله شريكًا في محاولة الوصول إلى الحقيقة، لا مجرد متلقٍ للأحداث.






المزيد
حوار مع الكاتبة الصغيرة حور الفؤاد
حوار مع الروائية والمحامية ندى اشرف
حوار صحفي مع الإعلامية ومقدمة برنامج نصف المرأة: مريم سامي