بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري
(أخصائي نفسي)
هل جلست يومًا تنتظر رسالة؟ تنتظر اتصالًا؟ تنتظر كلمة طيبة من شخص معين؟ تنتظر أن يشعر بك أحد، أن يسأل عنك أحد، أن يقول لك أحد: “أنا هنا من أجلك”؟
انتظرت طويلا، أليس كذلك؟
انتظرت أن يفهمك من حولك دون أن تتكلم، وأن يقدر تعبك أحد، وأن يأتي ذلك اليوم الذي تشعر فيه أنك لست وحدك. لكن اليوم مر، والشهر مر، والسنة مرت، ولم يأت أحد!
وهنا يجب أن نقف قليلا، ونسأل سؤالا صادقا: إلى متى ستبقى تنتظر؟
نحن نعيش في انتظار دائم؛ ننتظر أن يساعدنا الآخرون، أن يسعدنا الآخرون، وأن يغير الآخرون حياتنا. نربط سعادتنا بأشخاص، ونربط راحتنا بظروف، ونربط قيمتنا برأي الناس فينا. فإذا غابوا، غابت سعادتنا، وإذا تجاهلونا شعرنا أننا لا نستحق.
لكن الحقيقة التي لا يخبرنا بها أحد هي أن لا أحد سيأتي لينقذك. لا أحد سيشعر بما تشعر به تماما مثلما تشعر أنت به.
أنت الوحيد الذي يعرف كم تعبت، وكم مرة بكيت في صمت، وكم مرة ضحكت أمام الناس وأنت من الداخل تتألم. أنت الوحيد الذي يعرف كم مرة قلت “أنا بخير” وأنت لست بخير أبدا.
لهذا، لا تنتظر. ساعد نفسك بنفسك، وأسعد نفسك بنفسك.
كيف نتحرر من وهم الانتظار؟
عندما نقول ساعد نفسك، لا نعني أن تنعزل عن الناس ولا أن ترفض حب الآخرين، بل نعني ألا تجعل حياتك متوقفة على أحد؛ فلا تجعل مزاجك مرتبطا برسالة لم تصل، ولا تجعل يومك كله يفسد لأن أحدهم لم يسأل عنك، ولا تجعل قيمتك في يد إنسان قد ينسى، وقد يتغير، وقد يرحل.
1. افهم نفسك أولاً:
كثير منا لا يعرف نفسه؛ يعرف ما يرضي الآخرين، لكنه لا يعرف ما يريده هو، فيعيش من أجل الجميع وينسى نفسه في النهاية. اسأل نفسك اليوم بصدق: متى آخر مرة فعلت شيئا من أجلي أنا فقط؟ متى آخر مرة اشتريت لنفسي شيئا أحبه دون شعور بالذنب؟
2. ابدأ بأشياء بسيطة:
أسعد نفسك بأن تستيقظ في الصباح وتشرب قهوتك بهدوء، أن تمشي قليلا وتتنفس بعمق وتقول لنفسك: اليوم سأكون لطيفا مع نفسي.
3. تعلّم أن تقول “لا”:
لا لكل شيء يؤذيك، لا لكل علاقة تستنزفك، لا لكل شخص يجعلك تشعر أنك أقل. أن تقول “لا” ليس قسوة، بل هو أول خطوة في حب النفس.
4. توقف عن المقارنة:
لا تنظر إلى حياة الناس في الهاتف وتظن أنهم سعداء وأنت الوحيد الحزين. كل إنسان يخفي وجعا لا تعرفه، وحياتك مختلفة وظروفك مختلفة، فلا تقارن بدايتك بنهاية الآخرين.
5. سامح نفسك:
سامح نفسك على أخطاء الماضي، على قرارات ندمت عليها، وعلى فرص ضاعت منك. أنت كنت تتصرف بما تعرفه في ذلك الوقت، ولا تجلد نفسك كل يوم على ما فات؛ فالماضي ذهب، وحاضرك بين يديك.
السر الحقيقي في التعامل مع الذات
وهناك حقيقة مهمة يجب أن تعرفها: عندما تبدأ في مساعدة نفسك، سيبدأ الناس في رؤيتك بشكل مختلف. عندما تحب نفسك، سيحبك الآخرون أكثر، لأن الناس يعاملونك كما تعامل أنت نفسك.
لا تنتظر أن يأتي أحدهم ليقول لك أنت جميل.. قلها أنت لنفسك.
لا تنتظر من يحتفل بنجاحك.. احتفل أنت بنفسك ولو بنجاح صغير.
لا تنتظر من يواسيك في حزنك.. ضع يدك على قلبك وقل: أنا معك، وسنتجاوز هذا معا.
أعلم أن الوحدة مؤلمة، وأن الخذلان موجع، لكن اللحظة التي تقرر فيها أن تعتمد على نفسك، هي اللحظة التي ستبدأ فيها حياتك الحقيقية.
ستكتشف أنك أقوى مما كنت تظن، وأن السعادة لم تكن بعيدة أبدا، بل كانت بداخلك تنتظر فقط أن تنتبه إليها.
خاتمة وعهد:
من اليوم، لا تقل: لا أحد يسأل عني.. بل قل: أنا سأسأل عن نفسي.
لا تقل: لا أحد يسعدني.. بل قل: أنا سأسعد نفسي.
لا تقل: لا أحد يساعدني.. بل قل: أنا سأساعد نفسي.
ابدأ اليوم بخطوة صغيرة.. وانظر في المرآة وقل: أنا أستحق أن أكون سعيدا.
لا تنتظر الغد ولا شخصا ولا معجزة؛ المعجزة هي أنت.






المزيد
المرجعية: بوصلتك وسط المشتتات
أنا ناجح.. ولكنني أشعر بأنني فاشل.. لماذا؟
انتصاراتٌ تُصفّق لها الأنا، وتبكي لها الإنسانية