كتب: أبو سفيان محمد الكردفاني
صحوت على صوت صغيري الوحيد وهو ينادي على بصوت خفيض، ويهزني بقوة وكأنما فزع من شيء، حينما استيقظت كان يجلس بالقرب مني لكنه كان هادئاً مبتسماً ، نظرت إليه وقد تملكني الخوف من أن مكروه ما أصابه، ففي الفترة الأخيرة كانت الكوابيس تلاحقه كل فترة ، حتى أصبح لا ينام إلا بالقرب مني، حينما استفسرته وسألته ماذا يريد أجابني بكل ثقة بأننا سوف نسافر إليها اليوم، نظرت إليه مليئاً أحاول أن أفهم ما قاله لي ، أعدت عليه السؤال ماذا قلت يا حبيبي؟ ورد بنفس العبارة وملامحه تبدو عليها السعادة قلت لك سوف نسافر إليها اليوم يا أمي.
فكرت بضع لحظات وتركت الهواجس التي طافت بمخيلتي فطوال الشهور الماضية كان أبني يحلم بسيدة تطلب منه المساعدة والقدوم إليها في مكان مظلم ونائي ، حينها عرضته على طبيب نفسي لم يزد في تفسير تلك الحالة على أنه قد شاهد شيء ما أخافه كمشهد سينمائي، وأنه مجرد كوابيس سوف تذهب من تلقاء نفسها ، ومع أني قد قمت بتغير الطبيب لطفلي ، وحضرت معه عدة جلسات عند أطباء كثر مختصين إلا أنها لم تأتي بنتيجة جيدة، لم يكن يصاب بنوبة فزع أو يصرخ من كوابيس مزعجة أثناء نومه ، بل كانت أحلام شبيهة برسائلي من عالم أخر، حينها كنت قد عملت بنصيحة زوجي بأن لا أرهق نفسي وطفلي بكثرة الأطباء والعلاج الذي لا يجدي ، خاصة أنني تحولت به إلي الشيوخ والرقاة حينما لم يجد الأطباء علاج له، ولكن لم يأتي الأمر بجديد فقد حاروا في أمره فمنهم من قال بأن جني تلبسه ومنهم من قال أن قرينه يسيطر عليه، ومنهم من عده سحراً لا يبطل وهكذا وجدت نفسي أتناسي الأمر خاصة أنه قد تحسن في الشهور الأخيرة وأصبحت تلك الكوابيس والأحلام لا تزوره.
لذلك لم أساله عن هذه المرأة التي تطلب منه السفر إليها ، وحسبت أن الأمر لا يعدو مجرد اشتياق إلي السفر إلى جدته والجلوس إليها واللعب مع أقرانه هناك أبناء عمومته، لتمر الأيام والسنين والأمور تسير بشكل طبيعي لا يعكره شيء .
ولكن بين لحظة وضحاها وجدت نفسي مع زوجي وطفلي نترك كل شيء خلفنا على عجالة لننقذ أنفسنا من ويلات الحرب التي اندلعت دون سابق إنذار، حدث كل شيء بصورة خاطفة ، كنا قبلها بأيام في مناسبة عائلية نحتفل بزواج صديق زواج وحينما كنا نهم بالعودة إلي المنزل سمعنا نبأ الحرب فأصبحنا في حيرة من أمرنا ، هل نعود إلي المنزل والخطر يحدق بنا من كل مكان، أن نخرج بكل سرعة ونغادر إلي أين مكان، حينما كثر جدالنا أنا وزوجي وعلا صوتنا ، وقد طرحنا كل الخيارات أمامنا ، حينها سمعت صوت طفلي وهو يقول لوالده لا ترجع إلي البيت نسافر بهذا الطريق ، نظرنا سوياً إلي الخلف بسرعة ، كان يحمل في يده هاتف الألعاب خاصته ، كانت ملامحه يبدو عليها الهدوء ، حينما التقت عيناي مع زوجي شعرت كأنما فهم ما أريد ويريد طفلي، فأدار محرك السيارة وأنطلق في ذلك الطريق.
مضت بضعت أشهر في تلك المدينة التي قدمنا إليها بعد الحرب، كنا قد استأجرنا فيها شقة في موقع متميز رغم سعرها الخرافي ، إلا أن زوجي أصر عليها، كانت جميلة ورائعة بكل المقاييس فهي تطل على منظر ساحر على النيل، في مكان هادئ ورائع ، زوجي نقل نشاطه التجاري وتأقلم مع الوضع بسرعة ، ورغم أنني حاولت أن أدخل طفلي إلي المدرسة في تلك المدينة لم يكن يمضي أيام على مكوثه في المدرسة حتى أجد اتصالاً من الإدارة يخطرني بضرورة الحضور إليهم على عجل، لأجده قد أفتعل مشكلة مع أصدقاء في الفصل وقد أصاب أحدهم بصورة بليغة ، فأضطر أن أخذه معي بعد أن ترفض إدارة المدرسة استمراره بها، تكرر الأمر عدة مرات وفي عدة مدارس لم أجد مناص من سماع كلام زوجي بتركه وما يريد، وأن لا أضغط عليه طالما يرفض الدراسة، حقيقة كان الأمر بالنسبة لي كلغز محير خاصة أنه كان مولعاً بالمدرسة والعلم، أيضاً لاحظت أنه أصبح دائم السؤال عن الحرب والاهتمام لأخبارها وما يحصل فيها، وفي كل مرة يكرر حديثه عن أنها سوف تأتي إلي هنا أيضاً يوماً ما ، لم تنفع تأكيدات زوجي وحديثه معه لتطمئنه بأن الوضع هنا غير ذلك ، وأن الوضع أمن تماماً وسوف تنتهي هذه الحرب خلال شهور فقط ونعود لدارنا.
مضت يومان على حديثنا ذلك حينما وجدت منهمكاً في الرسم ، يفعل ذلك حينما يكون هنالك أمر ما يزعجه بشدة ، كان بارعاً جداً بالرسم خاصة في الطبيعة ، كان الغرفة ممتلئة بالرسومات مبعثرة في كل مكان، التقطت بعضها كانت تظهر ملامح الحرب بشكل مفزع، هذا رجل قد بترت رجله والدماء تسيل منها ، وامرأة ثكلى تنوح على فجيعة طفلها، وأسير منكسر الروح زائغ العينين وقد ضحك وشمت فيه من حوله، لكن ما شدني ولفت نظري رسمتان جميلتان مع أنهما كانتا غريبتين أحدهما لامرأة تحمل ملامح غير واضحة فهي كالشبح أو أقرب، والثانية لجبال ومدينة خضراء سماها ملبدة بالغيوم والطيور تحلق في سماءها وهناك ما يشبه الضريح أو المزار وقد تحلق الناس من حوله . يتبع






المزيد
صدفة اللقاء:وأمل الرسالة الأخيرة
الإطار الثالث عشر: بقلمي: عبير إبراهيم
الديك الذكي / بقلم /سعاد الصادق