مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفراشة الناعمة

بقلم: عبدالله شاهين

فراشاتٌ لا تعرف التعب.. عن كل أمٍّ مكافحة:

هناك مخلوقٌ واحد في هذا الكون يتألم قبلنا، ويفرح بعدنا، ويحمل قلقه في صدره كأنه بيته الدائم؛ إنها الأم.

تلك الكائنة الرقيقة التي وُصفت يومًا بالفراشة الناعمة، ليست ضعيفة كما يُوحي جمال هذا الوصف، بل هي الأقوى في صمتها، الأصلب حين يتطلب الأمر، والأكثر رقّةً حين لا يتطلب الأمر شيئًا سوى الحضن.

الألم الذي يُصيبها أولاً

يقولون إن كل خدشٍ يصيبنا يصُبُّ نزيفه فيها قبل أن نشعر نحن بالوجع، وهذا ليس مجازًا شاعريًا فحسب، بل حقيقة يعيشها كل من راقب أمًّا وهي تنتظر خبرًا عن ابنها، أو تسهر ليلًا لأن ابنتها تأخرت، أو تشعر بألمٍ غامض في قلبها قبل أن يرن الهاتف بخبرٍ سيئ.

الأم لا تحتاج إلى أن تُخبرها بأنك تتألم؛ فهي تشعر به في أعماقها، وكأن روحها امتدادٌ لروحك لم تنفصل يومًا.

الأم المكافحة: بطلة بلا تصفيق

حين نقول أم مكافحة، فنحن لا نتحدث فقط عن تلك التي تعمل لساعاتٍ طويلة لتُطعم أبناءها، بل عن كل أمٍّ:

 استيقظت آلاف المرات في منتصف الليل دون أن تشتكي.

 ابتلعت دموعها كي لا يراها أبناؤها ضعيفة.

 ضحّت بأحلامها الشخصية لتصنع لأبنائها أحلامًا جديدة.

 وقفت وحيدة في أوقات الأزمات، تحمل بيتًا كاملًا على كتفيها الصغيرتين.

هذه الأم لا تنتظر تصفيقًا، ولا ميدالية، ولا حتى شكرًا؛ كل ما تريده أن تراك بخير، أن تنجح، وأن تبتسم… هذا وحده أجرها الذي تسعى إليه كل يوم.

صدى الروح والرابط الخفي

كل تنهيدة تخرج من صدورنا في لحظة تعب أو حزن، تجد صداها في روح الأم قبل أن تصل إلى أي أذن أخرى. إنها تسمع ما لا يُقال، وتفهم ما لا يُشرح، وتُقدّر الصمت أحيانًا أكثر من الكلام.

هذا الرابط الخفي بين الأم وأبنائها لا يفسّره علمٌ ولا منطق؛ هو ببساطة الأمومة.

لماذا أكتب عنها اليوم؟

لأننا كثيرًا ما ننشغل بالحياة عن قول كلمة “شكرًا” لمن صنعت كل تفاصيلنا… أنسى أن أخبرها أني لاحظتُ تضحياتها، وأني أقدّر كل يومٍ صعبٍ مرّت به من أجلي، وأني أدرك أن قوتها لم تكن يومًا مجانية، بل كانت ثمنًا دفعته من راحتها وصحتها وشبابها.

اليوم، دعونا نقول لكل أمٍّ مكافحة:

“شكرًا لأنك لم تستسلمي حين كان الاستسلام أسهل الخيارات.. شكرًا لأنكِ حوّلتِ التعب إلى حنان، والخوف إلى دعاء، والقلق إلى صلاة.. شكرًا لأنكِ جعلتِ من كل يومٍ صعب فرصةً لتعلّمينا معنى الصمود.”

خاتمة:

أقولُ لكِ: أنا بخير اليوم، ليس لأن الحياة كانت سهلة، بل لأن هناك من كانت تحمل عني نصف الطريق دون أن أشعر…

أنا بخير، إن لم يكن من أجلي، فمن أجل أمي التي لا تزال رغم كل شيء أرقّ فراشة عرفها هذا الكون، وأقوى قلبٍ حمل بيتًا كاملًا على جناحيه الهشّين.

فلنبتسم اليوم من أجلهن، ولنقل لهن ما لم نقله من قبل: نحن بخير، لأنكنّ موجودات.