بقلم: أسامة حاج سليمان
(24 أكتوبر 2026)
يطرح الكثيرون تساؤلاً جوهرياً في مسيرتهم المهنية: لماذا ينجح الشخص بامتياز في مكان معين، بينما يتعثر ويفشل في مكان آخر رغم امتلاكه للمؤهلات ذاتها؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تكشف لنا “سر المهنة”؛ فالنجاح ليس مجرد مهارة ثابتة يحملها الفرد في حقيبته، بل هو معادلة دقيقة تتداخل فيها العوامل الشخصية مع الظروف والبيئة المحيطة.
البعد الشخصي: فخ الصورة الذاتية
على المستوى الفردي، يظل الشخص هو ذاته جوهرياً، حاملاً معه إرثه المهني وسمعته التي بناها في بيئة عمله السابقة.
وفي محاولة للتكيف مع المكان الجديد، قد يقع الفرد في فخ الاعتقاد بأنه قد تغير وتطور ذاتياً، متناسياً استدعاء تلك “النسخة الناجحة” التي كان عليها في مكانه الأول، ومكتفياً بالاعتماد على رصيد نجاحه السابق دون تجديد أدواته.
صدمة البيئة المحيطة وغياب “شركاء النجاح”
تؤدي الظروف المحيطة دوراً حاسماً في صياغة قصة النجاح أو الفشل:
غياب فريق الدعم: ففي العمل الأول، غالباً ما يكون النجاح مدعوماً بزملاء عمل وإدارة ساندت الموظف، وجههته، وذللت له الصعاب. وعند الانتقال إلى بيئة جديدة تفتقر إلى هذا المستوى من الدعم والاحتضان، يجد الشخص نفسه مكشوفاً أمام تحديات لم يكن يواجهها بمفرده.
التحدي الاجتماعي والنفسي: يجد الموظف نفسه محاطاً بأشخاص جُدد يراقبون أداءه عن كثب. إن محاولة الانسجام مع هذا المحيط الجديد تستهلك جزءاً كبيراً من طاقته وتؤثر على ثقته بنفسه لفترة من الزمن، خاصة إذا كان الزملاء الجدد لا يمتلكون ذات القدر من المسؤولية والجهد الذي اعتاد عليه مع زملائه السابقين.
اختلاف طبيعة المهام وتعقيدات الإدارة
لا توجد بيئتا عمل متطابقتين؛ فطبيعة العمل في المكان الجديد قد تتطلب مهارات مختلفة ومستوى مضاعفاً من الجهد.
فبينما كان العمل الأول يتسم بالمتعة والديناميكية التي تمنح الموظف طاقة متجددة، قد يصطدم في المكان الثاني ببيئة عمل جامدة وإدارة معقدة وصعبة تصيب سير العمل بالبطء والروتين.
كما أن غياب الإدارة الفعالة التي كانت تحمل عنه عبء التوجيه والتنظيم في السابق، يضاعف من ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، مما يجعله عرضة للإخفاق.
عامل الوقت: التفرغ والاستقرار
كثيراً ما يُغفل “عامل الوقت” عند تقييم أسباب الفشل المهني.
فالظرف الزمني الذي رافق نجاح الموظف في مكانه الأول ربما كان مثالياً؛ حيث كان يتمتع بالاستقرار والتفرغ التام للعمل.
في المقابل، قد يتزامن عمله في المكان الثاني مع ظروف شخصية أو انشغالات تمنحه تركيزاً أقل، مما ينعكس تدريجياً على جودة أدائه واهتزاز ثقته بنفسه.
الاستثناء الذي يكسر القاعدة
رغم قسوة هذه العوامل مجتمعة، إلا أنها ليست قدراً محتوماً. فهناك قلة من الأشخاص يمتلكون مرونة استثنائية تجعلهم قادرين على العمل والنجاح تحت أي ظرف.
هؤلاء يتحدون البيئة المحيطة، ويبادرون بمساعدة زملائهم وتوجيههم بدلاً من انتظار الدعم منهم. إنهم يمتلكون مقدرة خاصة على إدارة الأزمات، وتجنب فخاخ الإدارات الفاشلة، ليثبتوا أن الإرادة والقدرة على التكيف هما السلاح الأقوى في مواجهة تقلبات البيئات المهنية.






المزيد
الدور الدفاعي الإقليمي لمصر تجاه الأمن العربي
سجين بلا قضبان: كيف تقتلك متلازمة الخوف وأنت على قيد الحياة
أمي والوجود: حين يصبح الحب سؤالًا: فلسفيًا عن معنى الحياة