الصوت الذي لا يسمعه أحد
الكاتب هاني الميهي
الفصل السابع
كل هذا يحدث في الخارج
لكن شيئًا منه يحدث فينا
استيقظتُ قبله بقليل.
لم أكن بحاجة إلى منبّه.
أنا أعرف متى يبدأ رأسه في العمل.
كان لا يزال مستلقيًا، عيناه مغمضتان، والغرفة غارقة في ذلك الضوء الرمادي الذي يسبق الصباح. لم يتحرك.
ظاهريًا كان نائمًا.
لكنني كنت أسمعه.
ليس بصوته.
بصوت آخر.
الصوت الذي لا يسمعه أحد.
قال:
«ماذا لو حدث شيء اليوم؟»
ثم صمت.
بعد ثوانٍ:
«ماذا لو لم أستطع؟»
ثم:
«ماذا لو اكتشفوا أنني لست جيدًا كما يظنون؟»
فتح عينيه.
نظر إلى السقف.
لم يحدث شيء.
لم تصله رسالة.
لم يرن هاتفه.
لم يدخل أحد الغرفة.
ومع ذلك…
كان يومه قد بدأ بالخوف.
قبل أن يحدث أي شيء.
هناك مكان داخل الإنسان لا تصل إليه الكاميرات.
لا يستطيع أحد أن يراقبه.
لا الزوج.
ولا الزوجة.
ولا الصديق.
ولا المدير.
ولا حتى أقرب الناس إليه.
مكان يجلس فيه الإنسان وحده مع النسخة التي صنعها من نفسه.
هناك نتحدث أكثر مما نتحدث في الخارج.
نراجع.
نفسر.
نتوقع.
نحاكم.
نتذكر.
نخاف.
ونعيد المشهد نفسه عشرات المرات، مع أننا نعرف أنه انتهى.
رأيتُه مرة بعد اجتماع طويل.
خرج الجميع.
بقي هو وحده.
أغلق جهاز الحاسوب.
جمع أوراقه.
وقف.
ثم عاد وجلس.
لم يكن هناك شيء نسيه.
كان يريد فقط أن يعيد جملة قالها المدير قبل ساعتين.
«سنراجع هذا الأمر لاحقًا.»
جملة عادية.
لكن عقله لم يتعامل معها كجملة عادية.
بدأ الصوت:
«هل يقصد أنني أخطأت؟»
«ربما لم يعجبه أدائي.»
«ماذا لو كان يريد استبعادي؟»
«ربما تحدث عني بعد أن خرجت.»
«لماذا قالها بهذه الطريقة؟»
راقبته.
لم يكن يبحث عن الحقيقة.
كان يبحث عن تفسير.
والعقل الخائف لا يبحث دائمًا عن الحقيقة.
أحيانًا يبحث عن شيء يبرر خوفه.
أتعرف ما الذي يفعله العقل أحيانًا؟
يأخذ معلومة صغيرة جدًا…
ثم يبني حولها عالمًا كاملًا.
رسالة لم يُرد عليها.
تصبح تجاهلًا.
تأخر الرد.
يصبح غضبًا.
نبرة صوت مختلفة.
تصبح مشكلة.
نظرة عابرة.
تصبح حكمًا.
خطأ صغير في العمل.
يصبح دليلًا على أنك فاشل.
ثم يحدث شيء غريب.
تتكرر الفكرة.
ومع كل تكرار تصبح أكثر إقناعًا.
حتى يأتي يوم لا تعود فيه تقول:
«ربما.»
بل تقول:
«أنا متأكد.»
مع أنك لم تحصل على معلومة جديدة.
كل ما حدث أن الفكرة تكررت كثيرًا.
رأيتُ فتاة تجلس في مقهى.
وضعت هاتفها أمامها.
أرسلت رسالة.
انتظرت.
دقيقة.
خمس دقائق.
عشر دقائق.
فتحت المحادثة.
لا رد.
وضعت الهاتف.
ثم التقطته.
لا شيء.
بدأ الصوت:
«ربما غاضب.»
ثم:
«ربما لم يعد يريد الحديث.»
ثم:
«ربما تغير.»
ثم:
«ربما هناك شخص آخر.»
رفعت كوبها.
شربت رشفة.
لم تعد تتذوق القهوة.
كانت تعيش الآن في سيناريو لم يحدث.
وهذه واحدة من أكثر الأشياء قسوة في النفس البشرية:
أنها تستطيع أن تجعلنا نتألم من أشياء لم تقع.
ليس كل تفكير وعيًا.
أحيانًا يكون التفكير مجرد خوف يرتدي ملابس المنطق.
يبدو مرتبًا.
يقدم أسبابًا.
يربط الأحداث.
يصنع الاحتمالات.
ثم يقول لك:
«أنا فقط أحاول أن أحميك.»
لكنني أعرفه.
أعرف كيف يتحدث الخوف عندما يريد أن يبدو عاقلًا.
يقول:
«لا تثق بسرعة.»
ثم يتحول إلى عزلة.
يقول:
«كن حذرًا.»
ثم يتحول إلى شك.
يقول:
«استعد للأسوأ.»
ثم يجعلك تعيش الأسوأ قبل أن يأتي.
يقول:
«لا تتعلق بأحد.»
ثم يتركك وحيدًا.
في العمل، رأيت مديرًا يفتح تقريرًا.
وجد رقمًا أقل من المتوقع.
توقف.
لم يسأل:
«ما الذي حدث؟»
سأل نفسه أولًا:
«من أخطأ؟»
ثم:
«كيف سمحنا بهذا؟»
ثم:
«هل الإدارة فاشلة؟»
وفي أقل من دقيقة كان قد صنع أزمة أكبر من الرقم نفسه.
استدعى الموظف.
تحدث بعصبية.
الموظف ارتبك.
ارتكب خطأ آخر.
المدير رأى الخطأ الثاني.
فأكد له أنه كان على حق.
وهكذا تتحول الفكرة إلى واقع أحيانًا.
ليس لأنها كانت صحيحة منذ البداية…
بل لأننا تصرفنا بناءً عليها حتى أصبحت الظروف التي تؤكدها موجودة.
الفكرة لا تبقى دائمًا داخل الرأس.
تخرج.
تظهر في نبرة الصوت.
في القرار.
في العلاقة.
في الإدارة.
في الطريقة التي نمسك بها الهاتف.
في الطريقة التي ندخل بها البيت.
في الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين.
وأحيانًا يكون الصوت الداخلي أقسى من أي شخص عرفناه.
رأيتُ امرأة ترتب شعرها أمام المرآة.
لم يعجبها شكلها.
قالت:
«أنا أصبحت قبيحة.»
لم تكن قبيحة.
لكنها لم تكن ترى وجهها.
كانت ترى كل الكلمات التي قيلت لها عبر سنوات.
تعليقًا من شخص.
مقارنة من آخر.
صورة على شاشة.
امرأة ظهرت في إعلان.
ثم بدأت تقارن.
لم تعد المرآة تعكس وجهها.
صارت تعكس حكمها على نفسها.
ورأيت رجلًا يفتح حسابه البنكي.
الأرقام ليست جيدة.
أغلق التطبيق.
ثم فتحه مرة أخرى.
قال:
«أنا متأخر.»
هذه المرة لم يكن يتحدث عن المال.
كان يتحدث عن حياته كلها.
صديق اشترى منزلًا.
آخر بدأ مشروعًا.
ثالث سافر.
رابع ترقى.
وهو ما زال هنا.
جلس طويلًا.
ثم قال:
«ماذا فعلت في كل هذه السنوات؟»
كنت أعرف أن السؤال ليس سؤالًا.
كان اتهامًا.
والإنسان عندما يتحول الحوار الداخلي إلى محكمة، يصبح كل يوم جلسة جديدة.
لا قاضٍ فيها إلا هو.
ولا متهم إلا هو.
ولا حكم نهائي.
لكنني تعلمت شيئًا مهمًا.
ليس كل ما تقوله لنفسك حقيقة.
الفكرة ليست دليلًا.
والخوف ليس نبوءة.
والإحساس ليس دائمًا تفسيرًا صحيحًا لما يحدث.
قد تشعر أن شخصًا يرفضك، بينما هو مشغول.
قد تشعر أنك فشلت، بينما أنت فقط في مرحلة تعلم.
قد تشعر أنك تأخرت، بينما طريقك مختلف.
قد تشعر أنك لا تستطيع، بينما الحقيقة أنك متعب.
وهنا يجب أن يتدخل شيء أهدأ من الخوف:
الوعي.
أن تتوقف وتسأل:
هل ما أقوله لنفسي حقيقة؟
أم احتمال؟
أم ذكرى قديمة؟
أم خوف؟
أم حكم تعلمته من شخص آخر؟
هذا السؤال وحده يستطيع أحيانًا أن يفتح نافذة في غرفة مغلقة منذ سنوات.
جلستُ معه ذات ليلة.
لم يكن هناك هاتف.
ولا تلفاز.
ولا أخبار.
ولا رسائل.
فقط هو وأنا.
قال:
«أنا لا أعرف لماذا أشعر أنني دائمًا مهدد.»
قلت له، وإن لم يسمعني:
لأنك اعتدت أن تعيش مستعدًا لشيء سيئ.
أن تسبق الأحداث.
أن تفكر قبل أن يحدث الشيء في كيفية التعامل معه.
أن تحاول أن تكون أقوى من المفاجأة.
أن تراقب الوجوه.
النبرات.
الرسائل.
الصمت.
التغييرات الصغيرة.
حتى أصبح الهدوء نفسه يثير شكك.
لأنك لم تعد تعرف كيف يكون الهدوء بلا خوف.
ربما لهذا يحتاج الإنسان أحيانًا إلى الصمت.
ليس صمت العالم.
بل صمت صوته الداخلي.
أن يجلس دون أن يحاول تفسير كل شيء.
أن يرى فكرة تمر دون أن يمسك بها.
أن يقول:
«هذه مجرد فكرة.»
ثم يتركها تعبر.
ليس مطلوبًا منك أن تصدق كل ما يقوله عقلك.
كما أنك لا تصدق كل ما تسمعه في الشارع.
العقل نفسه قد يتعب.
وقد يبالغ.
وقد يخاف.
وقد يستدعي الماضي في لحظة لا علاقة لها بالماضي.
وقد يرى الخطر حيث لا يوجد إلا الغموض.
ولهذا كانت الطمأنينة في معناها العميق ليست أن تضمن أن الغد سيكون جيدًا.
بل أن تعرف أنك لن تحتاج إلى أن تعيش الغد كله اليوم.
أن تقول:
ما لم يحدث بعد، ليس مسؤوليتي الآن.
وفي آخر الليل، عاد الرجل إلى سريره.
جاءه الصوت المعتاد:
«ماذا لو…؟»
لكنه هذه المرة لم يكمل السؤال.
قال:
«لا أعرف.»
ثم ابتسم.
كانت كلمة صغيرة.
لكنها كانت مختلفة.
لأول مرة لم يشعر بأنه مطالب بمعرفة كل شيء.
ترك الغد في مكانه.
والأمس في مكانه.
وترك نفسه في هذه اللحظة.
تنفس.
ثم أغمض عينيه.
جلستُ إلى جواره.
لم أقل شيئًا.
فبعض اللحظات لا تحتاج إلى إجابة.
تحتاج فقط إلى أن يتوقف الإنسان عن استجواب نفسه.
أنا النفس.
أعرف كم مرة قلتَ لنفسك كلامًا لم تكن لتجرؤ على قوله لشخص تحبه.
أعرف كم مرة سامحت الآخرين، ثم عاقبت نفسك على الخطأ نفسه.
أعرف كم مرة قارنت نفسك بشخص لا تعرف قصته.
وكم مرة وصفت نفسك بالفشل لأنك لم تصل في الموعد الذي وضعته لنفسك.
أعرف كم مرة قلت:
«كان يجب أن أكون أفضل.»
دون أن تسأل:
أفضل بالنسبة إلى من؟
وأعرف أيضًا أن بداخلك صوتًا آخر.
أهدأ.
أبطأ.
لا يصرخ.
لا يخيفك.
يقول فقط:
«اهدأ.»
«ليس عليك أن تفهم كل شيء الآن.»
«ليس عليك أن تثبت قيمتك كل يوم.»
«ليس عليك أن تكون قويًا طوال الوقت.»
«وما دام الله قد أبقاك حتى هذه اللحظة، فهذه اللحظة نفسها تستحق أن تُعاش، لا أن تُهدر كلها في الخوف مما سيأتي بعدها.»
ذلك الصوت لا يلغي المسؤولية.
ولا يدعوك إلى الاستسلام.
بل يعيد الأشياء إلى حجمها الحقيقي.
المشكلة مشكلة.
وليست نهاية العالم.
الخطأ خطأ.
وليس تعريفًا كاملًا لك.
التأخر تأخر.
وليس حكمًا على حياتك.
والخوف شعور.
وليس قرارًا.
ثم أدركت شيئًا وأنا أراقبه ينام:
أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى تغيير حياته كلها كي يشعر بالراحة.
أحيانًا يحتاج إلى تغيير الجملة التي يقولها لنفسه وهو يعيشها.
بدل:
«أنا متأخر.»
يقول:
«أنا في طريقي.»
بدل:
«سأفشل.»
يقول:
«سأتعامل مع النتيجة عندما أعرفها.»
بدل:
«الجميع أفضل مني.»
يقول:
«أنا لا أعرف ما دفعه الآخر للوصول، ولا ما أدفعه أنا الآن.»
بدل:
«يجب أن أكون قويًا.»
يقول:
«يحق لي أن أكون إنسانًا.»
قد تبدو الكلمات بسيطة.
لكن الحياة الداخلية للإنسان تُبنى من هذه الأشياء الصغيرة.
جملة بعد جملة.
فكرة بعد فكرة.
حتى تصبح الجملة بيتًا.
وقد يكون البيت الذي تسكنه داخل نفسك أرحب مكان في حياتك…
أو أضيق سجن.
رسالة الفصل
لا تصدق كل ما يقوله صوتك الداخلي.
استمع إليه، نعم.
لكن اسأله.
ناقشه.
ميّز بين الحقيقة والاحتمال، وبين الحدس والخوف، وبين المسؤولية والجلد، وبين ما حدث فعلًا وما صنعه عقلك حول ما حدث.
فأحيانًا لا يكون أكثر ما يؤلمك هو ما يحدث في الخارج…
بل القصة التي تحكيها لنفسك عن الذي يحدث.
تمهيد للفصل القادم
لكن هناك شيئًا آخر رأيته كثيرًا.
الإنسان الذي يسمع صوتًا داخليًا قاسيًا، لا يكتفي بإيذاء نفسه.
يبدأ في البحث عن أصوات خارجية تؤكد ما يقوله ذلك الصوت.
يبحث عن شخص يخبره أنه غير كافٍ.
عن علاقة تجعله يشك في قيمته.
عن بيئة عمل لا ترى منه إلا أخطاءه.
عن مقارنة جديدة.
عن شاشة جديدة.
عن شخص آخر يعيش حياة تبدو أفضل.
وكأن الإنسان أحيانًا لا يبحث عن الحقيقة…
بل عن دليل يؤكد الصورة التي يحملها عن نفسه.
وهنا تبدأ حكاية فصلنا القادم:
«حين نبحث عمّن يؤكد مخاوفنا»
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يخاف…
بل أن يبدأ في اختيار حياته بما يتناسب مع خوفه.






المزيد
حين تفضحُ الأرواحُ ما تسترُه الوجوه بقلم : سمية عمر عكاشة
هل تنتظر الغد أم لا ترغب به ! بقلم : سها مراد
لن يعودَ يَعْنيني أَبَدًا بقلم الكاتبة أماني سعيد